الصدمة..!

أحمد الجميعة

أحمد الجميعة

نشر في: آخر تحديث:

برنامج الصدمة على قناة (mbc) يكشف ردود فعل تلقائية عفوية لمشاهد تمثيلية عن قيم ومبادئ إنسانية لا تقبل التجاوز، أو التقليل، أو حتى الامتهان للكرامة والعيش المشترك، حيث يكون الموقف مثلاً عن إساءة الإبن لوالده كبير السن، أو الأم لخادمتها، أو الموظف مع ذوي الاحتياجات الخاصة، وتكون الكاميرا شاهدة على ردود فعل تنطق بالإنسانية، والرحمة، والدموع أحياناً، وأخرى لم تحتمل وتدخلت بقسوة وعنف؛ لأن في قلبها حنان، وفي روحها حالة فقد، وفي عقلها ذكريات لا تريد أن تعود، ثم ينتهي الموقف بتعليق جميل من المتأثرين، وردة فعلهم، حيث يكون الختام تدريباً على قيم نريد أن تبقى مهما كانت صدمة المتغيرات والمغريات.

البرنامج لا تكفيه كلمة رائع، ولا أكثر من ذلك؛ لأنه باختصار يحرّك فينا مشاعر وأحاسيس صادقة، وإنسانية تحلّق بين ضفتي الروح والقلب، وتمنحنا في كل رحلة بينهما رؤية جديدة للحياة، والتزام حقيقي مع القيم التي تربينا عليها ويفترض أن نحتفظ بها، ونسير عليها جيلاً بعد آخر.. البرنامج يعيدنا إلى مصفوفة قيم تشترك فيها الإنسانية بكل ثقافاتها ودياناتها ومذاهبها، ويمنحنا فرصة التعايش مع بعضنا بما لدينا من قيم، وحب، وتسامح.. البرنامج قيمة فنية بين أعمالٍ تجارية رخيصة، حيث تجاوز في تفاصيله وردوده ومتابعيه ومحبيه كل ما هو جميل، وأجمل في مهمة التعاطي مع الحياة المثقلة بالهموم والأزمات.

الصدمة حالة نفسية موجعة حينما تواسي الدموع الصمت القاتل في الداخل، والذهول المخيف من القادم.. حالة تجتمع فيها الذكريات مع المنغصات مع الأمنيات ولا تعرف ماذا تريد؟، أو لا تستطيع أن تفرز ماهو موجود؟.. الصدمة عنوان كبير في حياتنا، وستبقى كذلك، خصوصاً حين نفقد من نحب، أو يخذلنا من نحب، فكم من أب وأم وأخ وأخت فقدناهم في لحظة ذهول، ودموع، وألم، ووجع، وخوف، وأكثر من ذلك فراق إلى الأبد، وكم من إنسان بادلته المعروف والإحسان، واعتبرته صديقاً وأخاً، ثم خذلك بالنسيان والنكران والجحود.. كم هي تلك الصدمات مؤثرة ومؤلمة.. كم هي حالة يائس لا تقاس بزفير ولا شهيق.. ولا تناهيد يتردد صداها بين ضلوع لا تريد أن تنكسر ولا تفتح مسام على الحياة خوفاً من صدمات أكبر!.

أكثر الصدمات إيلاماً ليست في القيم التي حتماً ستبقى، أو الفقد الذي سيكون نهاية كل حي، ولكن الصدمة الحقيقية حينما تخسر إنساناً كان يستحق أن يبقى معك في رحلة عمر، وكفاح، ونضال.. ولكنه رحل ولم يقل كلمة واحدة لك، أو ظهر منه موقف ترى فيه سبباً للرحيل.. من يرحل عنك بصمت ولا يعود، أو لا يحق لك أن تراه، هو فعلاً من يصدمك!.

الحياة اليوم لم تعد باقية على حال، ولا يفترض أن تكون كذلك، ولكنها تحمل في داخلنا صراعاً ليس المهم فيه من ينتصر، ولكن الأهم من يبقى عزيزاً بقيمه وثوابته؛ فليس للانتصار ثمن مع كل نفعي رخيص، وليس للانتصار قيمة مع كل من ظلم أو غش أو كذب؛ لأن الحياة تنتهي ويبقى الفعل الذي سيكون شاهداً على الرحيل، وتقييم الآخرين.. وهنا لن يبقى للصدمة قيمة أو مكان؛ لأنك صدمت الآخرين قبل رحيلك ويبقى أن نتعايش مع الواقع الجديد بدونك!.

*نقلاً عن صحيفة "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.