رمضان والعبودية

عبد المحسن هلال

عبد المحسن هلال

نشر في: آخر تحديث:

إمعانا في البعد عن الشأن العام في هذا الشهر الفضيل، ولا يعني هذا تحولي لواعظ في رمضان، فما أبعدني عن الوعظ وما أحوجني إليه، إنما سولت لي نفسي أن آخذكم اليوم لقراءة كلمات عميقة عن معان جميلة للصيام، مبعثها رسالة تهنئة بحلول رمضان الكريم من صديق عزيز ضمنها سطورا للمفكر الإسلامي الأستاذ محمود شاكر تقول: جعل الصيام معادلا لتحرير رقبة في ثلاثة أحكام بالقرآن الكريم، على من قتل مؤمنا خطأ، تحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله (فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله)، وعلى الذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا تحرير رقبة (فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا)، وجعل كفارة اليمين تحرير رقبة (فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام)، هناك بالطبع حالة رابعة لم يغفل عنها الشيخ شاكر، ربما رآها غير مباشرة بالفكرة التي يريد الوصول إليها وحسب، وهي الخاصة بشعائر الحج وحكم الحاج إذا ما أحصر أو مرض (أو به أذى من رأسه ففدية من صيام)، وهدي التمتع بالعمرة إلى الحج (فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم) نقطة الشيخ «أن من ارتكب شيئا من هذه الخطايا عليه أن يحرر رقبة مؤمنة من رق الاستعباد، فإن لم يجد فعليه تحرير نفسه من رق مطالب الحياة ورق شهوات النفس، فالصيام كما ترى هو عبادة الأحرار، وهو تهذيب الأحرار وثقافة الأحرار». تجدون معظم مقالات الشيخ شاكر بموقعه على النت.

هناك إذن عبوديتان، عبودية الجسد وعبودية النفس، وبرغم أنهما وجهان لعملة واحدة، إلا أن الأولى قد تتفاوت فيها التكاليف ومن ثم الأحكام، أما الثانية فالكل فيها سواء. تصور نفسك عبدا مملوكا لرغباتك الدنيوية، تتحكم فيك أهواؤك وانفعالاتك دون رادع من دين أو خلق، التعاسة ليست فقط لعبدة الدرهم والدينار، بل تشمل عبدة الشهوات وعبدة الجوارح من قول أو فعل. تحرير رقبة وهو من أعظم الحسنات والقربات في الإسلام يعادل تحرير نفسك من قيودها الدنيوية، فرق كبير بين أن تصوم وأنت حر كريم كما أرادك خالقك وبما تفرضه أخلاق الحر الكريم، وأن تصوم وأنت عبد لأنانيتك وتشاد هذا وتزاحم ذاك أو تغتاب فلانا أو تظلم أحدا، الصيام فرصة لاختبار قدر حريتك من عبوديتك، ورمضان فرصة لتعلم شرف الحرية والتحرر من أغلال العبودية، فلا غرو إذا قيل إن رمضان مدرسة نتعلم فيها كل دروس العمر في شهر واحد. جعلنا الله جميعا من عتقائه في هذا الشهر الفضيل.

*نقلاً عن صحيفة "عكاظ"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.