حروب السيبر والحروب الإلكترونية الأخرى عبر الإنترنت

د. حمد بن عبدالله اللحيدان

نشر في: آخر تحديث:

منذ الأزل والحروب تتطور كما ونوعا وأسلوبا ووسائل وآخر صيحات الحروب التي اصبحت مطلبا تتسابق المؤسسات والدول على امتلاك ادواتها ووسائل الحماية منها او ادوات ووسائل شنها على الاخرين هي تلك التي يمكن ممارستها عبر فضاء الانترنت الافتراضي بواسطة الجيوش السيبرية.

والحروب الالكترونية مثلها مثل الحروب الاخرى فيها معتد وفيها ضحية يجب ان يدافع عن نفسه وان يكون قادرا على رد الصاع صاعين.

والمهاجم في هذه الحالة يسعى في الغالب الى تنفيذ اجندة دوافعها عدوانية عديدة منها المنافسة ومنها الانتقام ومنها الحسد والحقد خصوصا من قبل اولئك الذين يتخذون من العدوانية وسيلة من اجل بقائهم من خلال احتلال الارض مثل اسرائيل او من اجل تصدير الثورة واجهاض التنمية مثلما تقوم به ايران وهاتان الدولتان هما اللتان قد انشأتا جيوشا سيبرية لهذا الغرض ودعمتهما بكل الوسائل التقنية والبشرية وعززتهما بالتعليم والتدريب على كل مستجد وذلك من اجل التجسس والتخريب على الاخرين بكل وسيلة متاحة.

وبما ان العصر الحاضر اصبح عصر تقنية المعلومات واصبحت جميع الفعاليات الحياتية تعتمد على استخدام الحاسبات في كافة القطاعات الامنية والعسكرية والمالية والتعليمية والاستثمارية والصحية وحدث ولا حرج حتى ان المعاملات الورقية بدأت تتلاشى تدريجيا بما في ذلك النقود التي اصبحت تتحول الى الكترونية بصورة متسارعة وعليه اصبحت تلك البنى هدفا استراتيجيا يعمل الاعداء على اختراقه والتجسس عليه او تعطيله وتدميره لهذا يمكن ان نقول إن الحروب السيبرية (Cyberwarfare) تقوم على استراتيجية الهجوم على انظمة التشغيل الالكترونية عن طريق اختراق تلك الشبكات باستخدام برامج صغيرة (فيروسات) للتحكم بها او تخريبها. وهذا يعني ان المقصود بالاسلحة السيبرية انها برمجيات ضارة تستخدم من قبل الهكرز (المتسللين) المحترفين لاختراق انظمة التشغيل او الشبكات الالكترونية في المؤسسات والدول المستهدفة بقصد التجسس أو التخريب أو التحكم بها او بث اجنداتهم من خلالها ولو لفترة قصيرة.

ولهذا الغرض تم استحداث جيوش في الدول المختلفة تحت اسم جيش السيبر(Cyber Army) من اجل تنفيذ ما يسمى بالحروب السيبرية والتي عرفها خبير الامن الحكومي ريتشارد كلارك بانها عبارة عن كل عمل معاد تقوم به بعض الجهات ضد شبكات الحاسوب في بلد اخر لغرض التحكم بها او تعطيلها او تخريبها.

وقد سمعنا عن محاولة اختراق مواقع كثيرة مثل تلك التي استهدفت شركة ارامكو ووزارة الخارجية وغيرهما، كما سمعنا عن اختراق موقع وزارة الدفاع الاميركية (البنتاغون) وغيرها مما نسمعه بين الحين والاخر من قبل هاكرز فردية او استخباراتية.

اما النوع الاخر من الحروب التي يستخدم فيها الانترنت فيمكن ان يكون على شكل انشاء منصات الكترونية على شبكات التواصل الاجتماعي (فيسبوك، تويتر، مدونات) وغيرها بهدف التحريض واثارة الفتنة وتسويق الارهاب وجلب عدم الاستقرار والتخريب ونشر الفوضى وذلك من خلال دعم الشائعة وتزييف الحقائق وابراز السلبيات وتحجيم الايجابيات ناهيك عن اعادة إحياء احقاد الماضي وبثها من اجل زرع الحقد والبغضاء حيث يتم استقصاد صغار السن ممن يقضون معظم وقتهم على الانترنت بدون وجود حسيب او رقيب يوجههم ما يجعلهم يصبحون صيدا سهلا للمنظمات الارهابية مثل داعش والقاعدة وحزب الله وغيرها ممن جندتهم ايران لخدمة اغراضها وغيرها من المنظمات الارهابية لذلك نستطيع ان نقول ان الانترنت اصبح وسيلة من لا وسيلة له للتغرير بالشباب واستقطابهم من قبل تلك المنظمات على اختلاف اسمائها وانتماءاتها واهدافها ليس هذا وحسب بل اصبح بالامكان استغلال الانترنت كإحدى اهم الوسائل المساندة للجريمة بجميع انواعها وهذا كله يدخل ضمن نشر الارهاب ووسائل تمويله مثل ترويج وتهريب المخدرات وغسيل الاموال والتجنيد او الاحتيال وغيرها من الافعال غير السوية التي يذهب ضحيتها انفس وعقول ما يحتم ايجاد وسائل حرب مضادة تحيّد ذلك الاستهداف الخفي.

وبالعودة الى الحروب السيبرية نجد ان كلا من ايران واسرائيل قد انشأتا جيشا للسيبر لدعم عدوانيتهما وتوسعهما واستهدافهما للدول العربية مستغلتين كل الوسائل والسبل لتحقيق اهدافهما. وقد اشار الزميل د. عصام بخاري في مقال سابق في هذه الجريدة الى ان رئيس مجموعة يوراسيا ايان بريمر قال انه خلال عشر سنوات سوف تتسبب القدرات الايرانية السيبرية على الانترنت بمشكلات اكبر من البرنامج النووي الايراني نفسه. كما اشار الى ان دافيد كيندي مؤسس شركة TrustedSec المتخصص في امن المعلومات قال ان ايران اصبحت تضاهي روسيا والصين في الخطر السيبري رغم انها كانت في مستوى ضعيف قبل عدة سنوات.

نعم ايران تسعى وبكل اصرار لتملك كل ما فيه شر وإضرار بالدول العربية ودول الخليج وعلى الاخص السعودية ولهذا الغرض تعمل على امتلاك جيش للحرب السيبرية ولتحقيق هذا الهدف تقوم باعداد الاف المقاتلين السيبريين الايرانيين للانضمام الى وحدة الباسيج السيبرية وذلك للقيام بالمهام الخاصة على الانترنت وفي هذا السبيل تقوم الجامعات الايرانية بفتح تخصصات وتقديم دورات مكثفة في مجال قرصنة المعلومات والهجمات السيبرية كما تقام مسابقات لهذا الغرض ولا شك ان حقد ايران الدفين الذي يدفعها الى التركيز والاهتمام بالحروب السيبرية ناتج عن قرار سياسي لحكومة الولي الفقيه لا تحيد عنه وهم يسعون من خلاله الى تطوير قدراتهم في هذا المجال من اجل الاستفادة منه في التخريب او سرقة المعلومات او غيرها من الاجندات المرتبطة بها كما ان لها اهدافا عسكرية لا تخفى على احد ذلك ان اغلب انواع العتاد العسكري من طائرات حربية وصواريخ بالستية وقذائف موجهة او رادارات او غيرها تعتمد بصورة او باخرى على التقنية الالكترونية المتقدمة في الوقت الحاضر.

ليس هذا وحسب بل ان ايران اقامت منصات متخصصة على شبكات التواصل الاجتماعي (فيسبوك، تويتر، مدونات) وغيرها تستخدمها في التحريض على الفتنة وتسويق الفوضى في السعودية وذلك بهدف زعزعة الامن والاستقرار وذلك باستخدام اساليب اعلامية متعددة على قاعدة اساليب مسترقي السمع من الشياطين حيث يستغلون الاحداث ويضخمونها ويضيفون عليها بحيث يضاف الى الحقيقة الواحدة (99) كذبة كما يحرصون على استخدام اسماء سعودية وهمية للإيحاء بان هذه المعلومات صادرة من داخل السعودية بينما هي تنطلق من ايران وكل ذلك من اجل اضعاف الثقة بالدولة ودق اسفين بين الشعب والقيادة من خلال تحقير الجهود التي تبذلها الدولة من خلال استغلال الاحداث مثل حادث سقوط الرافعة في الحرم بالاضافة الى محاولة خداع وتحريض المواطنين الشيعة من خلال محاولة التحدث نيابة عنهم ناهيك عن تخصيص منصات للنيل من رموز الامة وعلمائها بالاضافة الى الادعاء بان هناك ثوارا معارضين ناهيك عن محاولة تسييس الحج ومنع الحجاج الايرانيين من الحج لهذا العام.

إن حروب الانترنت التي تخوضها ايران ضدنا لا تقتصر على انشاء جيش سيبري ايراني ضخم لمهاجمة شبكات الحاسوب لدى مؤسساتنا من اجل تخريبها بل يتعداه الى استخدام عالم الانترنت من اجل محاولة إحداث انقسام داخلي من خلال التحريض واثارة الفتنة ولذلك لا بد من الاستعداد لما هو اسوأ.

من هذه المنطلقات ومن منطلق الحزم الذي اصبح جزءا لا يتجزأ من حراك المملكة على جميع المستويات اصبح انشاء جيش سيبري ذي قدرات فائقة بل خارقة عددا وعدة امرا حتميا وغير قابل للتأجيل وذلك على قاعدة لا يفل الحديد الا الحديد وقاعدة العين بالعين والسن بالسن والبادئ أظلم.

ولا بد من انشاء منصات الكترونية تتسلح بالمصداقية والشفافية والدقة والدهاء موجهة الى الشعوب الايرانية الصديقة لدعمها في حراكها المشروع ضد التسلط والدكتاتورية والاضطهاد الذي تعاني منه وكذلك دعم الشعب الاحوازي المحتل من اجل نيل حقوقه واستقلاله.

كما لا بد ان يصبح لدينا فرق الكترونية متخصصة في محاربة الشائعات ودحض الدسائس والرد على المغرضين وتصحيح المغالطات والوقوف بكل حزم امام كل من يسيء استخدام الانترنت في امور تمس الامن الوطني او المجتمعي من خلال وسائل التواصل الاجتماعي.

ان مثل ذلك الاتجاه يستلزم ان تصبح حروب الشبكات وأمن المعلومات من البرامج الاساسية التي تقدمها الجامعات السعودية ناهيك عن عقد دورات تدريبية متقدمة ومكثفة في هذه المجالات لمن هم متخصصون في مجال الحاسب الآلي وذلك لتسريع الاستفادة منهم في هذا المجال فليس في الوقت متسع للانتظار فالعدو على الابواب يبذل كل ما في وسعه من اجل الاضرار بنا ما وسعه الى ذلك سبيلا الا ان كل احلامه تتكسر على صخرة الحزم والعزم والاستعداد بعد الاعتماد على الله جل جلاله. والله المستعان.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.