ليس بالآمال تمديد الآجال

أحمد عبدالرحمن العرفج

نشر في: آخر تحديث:

هُنَاك حيَاة، وهُنَاك حيَاة بَديلَة أو حيَاة افترَاضيّة، وهَذه الحيَاة الافترَاضيّة لَيست مِن نَسْج الخيَال، بَل أشعَل شَرَارتها نَبي الرَّحمة محمد -صلّى الله عَليه وبَارك- حِين قَال: (لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا أَهْدَيْتُ، وَلَوْلا أَنَّ مَعِي الْهَدْيَ لأَحْلَلْتُ)..!
وقَد كَان الأَديب الإنجليزي الشَّهير د.هـ. لورانس يَقول: (لَيتَ للإنسَان حيَاتين.. الأُولَى يَرتكب فيهَا الأخطَاء والحَمَاقَات، والثَّانية يَتعلَّم فِيهَا مِن أخطَائهِ وتَجاربه)..!
مِن هَذه الزَّاوية يَرى كَثيرٌ مِن الحُكمَاء؛ أنَّ الإنسَان يَحتاج إلَى أَنْ يَعيش أكثَر مِن حيَاة، حيَاة للأخطَاء والحَمَاقَات، والزلَّات والانكسَارَات، وحيَاة أُخرَى يَستخدم فِيهَا؛ مَا تَعلّمه مِن الحيَاة الأُولَى، بكُلِّ مُنحدرَاتها ومُنكسرَاتها، ولَكن مِثل هَذه الأحلَام؛ هي أَحلَام فَلَاسِفَة ونَظريّات حُكمَاء، وتَنفيذها إلَى الاستحَالة أَقرَب وأَصْوَب..!
هَذه نَظريّة.. وهُنَاك نَظريّة أُخرَى تَقول: لَيتَ الإنسَان يُولد في الثَّمَانين مِن عُمره، ثُمَّ يَتنَاقَص عُمره تَدريجيًّا؛ حَتَّى يُصبح طِفلاً ويَموت رَضيعاً، وهَذه نَظريّة لَيست أقرَب إلَى المُستَحيل، بَل هي المُستَحيل ذَاته..!
وطَالَما أَنَّ النَّظريّتين تَدخُلَان في دَائرة الاستحَالة، فمَا الحَلّ إذاً، وأَين المَخْرَج..؟!
قَد نَجِد المَخرج في ثَنَايا كِتَاب: «فَنّ الاستمتَاع بالحيَاة» للأُستَاذ «أحمد عابدين»، حَيثُ يَقول: (كَثيراً مَا نَقرأ أَو نَسمَع أَحَد البَارزين؛ في بَعض مَجَالَات الحيَاة يَقول: لَو رَجعَتْ الأيَّام لِمَا فَعلتُ كَذا وكَذا.. ولفَعلتُ كَذا وكَذا.. ولأنَّ الأُمنية مُستَحيلة، والأيَّام لَا تَرجع أبداً، ولأنَّ ميَاه النَّهر لَا تَعود إلَى مَنابعها، وإنَّما تَمضي إلَى مصبّها في طَريقٍ مَحتوم، فإنَّ الإنسَان يُحاول أَنْ يُطيل عُمره المَحدود؛ بإضَافة أعمَار الآخرين إليهِ، أي بإضَافة مَا تَعلَّمه الآخرُون؛ مِن درُوسِ حيَاتهم وتَجاربهم، إلَى مَا تَعلّمه هو مِن أَخَطائه وعَثَرَاته، فكَأنَّما يُضيف بذَلك عُصَارة أعمَارهم إلى عُمره، فنَحنُ يَجب أَنْ نَتعلَّم مِن أخطَائنا، ونَستفيد مِن تَجارُب الآخَرين، ودرُوس حيَاتهم، وكَأنَّما نُضيف أعمَارهم إلَى أعمَارنا، وخِبرَاتهم إلَى خبرَاتنا، ونَستَعين بعقُولهم مَع عقُولنا؛ عَلَى قيَادة سَفينة حيَاتنا في ميَاه النَّهر، بغَير أَنْ تَصطَدم بالجَنَادل والصّخور)..!
حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!
بَقي أَنْ أُذكِّركم بمَقولة بَسيطَة للاستفَادة مِن الحيَاة، خَاصَّة في جَانبها المَعرفي، وكَأنَّ كُلّ كِتَاب تَقرأه هو حيَاة بذَاتها، عَلى طَريقة العقَّاد حِين سُئل: لمَاذا تَقرأ؟ فقَال: (أقرَأ لأنَّ حيَاة وَاحِدَة لَا تَكفيني)..!!

* نقلا عن "المدينة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.