عاجل

البث المباشر

عـالـم بـلا تعصـب

التعصب سلوك متطرف يدفع الانسان الى الاعتقاد بأن ثقافته ومواقفه هما الصحيحتان، وأنه يمتلك الحقيقة وحده، وحقوقه أولى من حقوق الآخرين بل يصل الأمر الى احتقار الآخرين.

التعصب بكل أنواعه هو سبب من أسباب التفكك الاجتماعي، والبعد عن الواقع، وضياع الحقيقة، واستمرار المشكلات، وانتشار العنف، وغياب التفكير العلمي والحوارات الموضوعية.

أكتب هذا المقال عن التعصب بحثا عن عالم بلا تعصب يمكن الوصول اليه بمعالجة أسبابه بالطرق الوقائية الثقافية.

أبدأ الموضوع بالشأن الرياضي تزامنا مع أحداث مؤسفة حدثت في بطولة أمم أوروبا المقامة في فرنسا. لكن أنواع التعصب متداخلة في التأثير والتأثر وهي كلها خطر على العلاقات الانسانية داخل المجتمعات، وبينها وبين المجتمعات الأخرى.

الرياضة فن وترفيه ومتعة وتنافس شريف. وعبارة الروح الرياضية تستخدم للتعبير عن الحوار الحضاري، وتقبل تعدد الآراء والميول. هذه الروح الرياضية تغيب وتحضر في الميادين الرياضية حسب الظروف وطبيعة المنافسة، والأجواء المحيطة التي تسبق المباريات.

سوف تعيش الروح الرياضية إذا كنت تشاهد مثلا مباراة في تنس المضرب كما هي الحال في مسابقة ويمبلدون المشهورة. وسوف تشاهد السلوك الهمجي من بعض الجماهير إذا كنت تتابع بطولة الأمم الأوروبية في كرة القدم. سوف تجد الروح الرياضية في مسابقات الألعاب الأولمبية، ولن تجدها في كرة القدم حتى على مستوى المسابقات المحلية.

كرة القدم تحظى بالنصيب الأكبر جماهيريا واعلاميا وتجاريا. الصراع فيها ليس بين المتفرجين فقط بل بين الإعلاميين (المشجعين) الذين يتخلون عن المهنية والموضوعية ويتحولون الى مشجعين يزيدون من احتقان الجمهور حد الشتائم والتعارك ثم يتحولون الى محامين عن سلوك الجمهور وكأنهم يدافعون عن أنفسهم وتعصبهم.

الحوار الذي يسيطر عليه التعصب ويصل الى الصراخ والشتائم تمهيدا لتبادل اللكمات ليس محصورا في المجال الرياضي. برلمانات عربية وغير عربية يتحول النقاش فيها الى مضاربة. نقاشات يفترض أن تمثل الشعب وتدافع عن حقوقه لكنها تحول البرلمان بسبب مصالح حزبية الى ساحة معركة.

حوارات تلفزيونية لا يتوفر لها شرط واحد من شروط الحوار الموضوعي ولذلك تنتهي الى معركة شخصية لا فكرية فتتحول الى مصارعة أو ملاكمة.

في عالم السياسة تبرز شخصية حديثة تمثل أعلى درجات التعصب هو المرشح الجمهوري للرئاسة الأميركية دونالد ترامب. هذا المرشح يستغل مأساة انسانية مثل العملية الارهابية في أورلاندو، لمصلحة حملته الانتخابية. يجدها فرصة لتأجيج المشاعر ضد المسلمين والمهاجرين. يتجاهل ترامب بسبب تعصبه وعنصريته أن الارهاب لادين له، وأن من يخطط وينفذ العمليات الارهابية هم قلة لا تمثل الأديان ولا الأوطان.

الإرهاب بحاجة الى عنصري مثل ترامب، والعالم لا يمكن أن يكون بلا تعصب بوجود أمثال ترامب في مواقع قيادية. ترامب لا يختلف عن مشجع رياضي متعصب لا يحترم ميول الآخرين وعلى استعداد للتعارك معهم، وليس له علاقة بالموضوعية ولا الروح الرياضية.

ترامب يريد أن ينتصر على الآخر بعقلية متعصبة عنصرية متغطرسة ينتج عنها سلوك ينشر الكراهية مثله مثل مشجع متعصب لمنتخب كرة قدم لا يؤمن بالتنافس الشريف بل يطبق مبدأ الإقصاء كما فعل بعض المشجعين في بطولة الأمم الأوروبية.

التعصب والتطرف سلوك نقابله في ميادين السياسة والثقافة والرياضة. البعض يفسر السلوك المشين الصادر من بعض جماهير كرة القدم كما حصل مؤخرا في بطولة الأمم الأوروبية بأنه بسبب تعاطي الكحول. ولكن ماذا عن التعصب في حوارات المثقفين، وفي البرلمانات رغم عدم تناول مشروبات كحولية؟

يمكن القول إن التعصب أساسا موجود لدى الانسان المتعصب لكن السلوك الناتج عنه يكون أكثر حدة وهمجية بتأثير الكحول.

المتعصب لا يولد من فراغ. لا بد أن البيئة التي عاش فيها بيئة تمارس نشر الكراهية والتطرف. غوغاء الشارع تتغذى على خطاب عنصري من قيادي متطرف من أمثال ترامب الذي أدى خطابه المشبع بالكراهية الى كثير من المصادمات داخل أميركا بين مواطني بلد واحد.

في حالة ترامب وغيره أقرأ لكم مقطعا من مقال بجريدة الشرق بعنوان (التعصب الفكري ناتج عن أسباب اجتماعية ونفسية ويعالج بالتعايش السلمي) كتبه الدكتور حاتم بن سعيد الغامدي، والدكتور جبران يحيى: (يشير د.جميل الطهراوي في دراسته الى أن الاتجاهات المتعصبة تحدث عندما يحدث انحراف عن عدة معايير، منها العقلانية عندما يقوم الشخص بإطلاق حكم متعجل غير مبني على معلومات موثقة أو يأخذ شكل الشائعة أو الحكم المسبق أو يأخذ شكل القوالب النمطية الجاهزة، أي عندما نتعامل مع الآخرين وفق تلك القوالب، كما يتضمن الانحراف عن معايير العقلانية التعميم المفرط ويعني تعميم فكرة معينة على فئة من الناس ورفض تعديل الرأي في ظل ظهور دلائل جديدة.

ومن المعايير أيضا معيار العدالة وهو أخلاقي يقوم على وجوب المساواة في المعاملة بين الأشخاص في مجالات الاهتمامات العامة وفي الحقوق بحيث تخلو المعاملات من التمييز المبني على اللون أو الجنس أو القبيلة فضلا عن معيار المشاعر الانسانية الرقيقة الذي يجعلنا أكثر احساسا بالآخرين ويمكننا من مشاركتهم والتعاطف معهم.).

وأخيرا فإن المؤهلات العلمية والثقافية، والمهارات، والمكانة الاجتماعية، والمراكز القيادية، والنجومية في أي مجال، كلها لا قيمة لها بدون سلوك انساني ينظر للأمور بمنظار موضوعي، سلوك ينبذ التمييز، ويحترم آراء وحقوق الآخرين، ويعلي مكانة العلم والعدالة والتعايش والتفكير الايجابي.

المساهمة في الوقاية من داء التعصب هي بالدرجة الأولى مسؤولية المؤسسات الدينية والتعليمية والثقافية في كل مجتمع، وهي مسؤولية المنظمات الدولية على مستوى العالم.

نقلاً عن الرياض

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات