السلاح.. ومفارقة التحضر

أيمن الحماد

نشر في: آخر تحديث:

يخبرنا المنطق أن تفشي السلاح في مجتمع ما انعكاس لعدم الأمن ومظهر مخل بطبيعة التمدن التي تطغى اليوم على المجتمعات العالمية ولا يمكن استساغتها تحت أي مبرر.

المفارقة في مسألة السلاح عندما يجتمع التمدن أو التحضر وقوة القانون والنظام وحمل السلاح، بل وشرعنته، كما هو حاصل في أميركا التي تشكل حاضرة العالم ومصدر الكثير من المعارف والتقنيات وكذلك الأسلحة، فما الفرق بأن يقوم شخص في ولاية أميركية مزدهرة بالجامعات ومراكز التقنية وكل متطلبات الحياة المترفة بالذهاب إلى متجر ليقتني قطعة سلاح ناري كما يشتري علبة صودا من أي محل تموين، ثم يعرج على مكان عام ليرتكب مجزرة بدواعٍ مختلفة، وبين آخر في مدينة شرق أوسطية تئن تحت وطأة الجوع والفقر والأمية ليشتري سلاح "كلاشينكوف" لأغراض اجتماعية تتعلق بالوجاهة ربما أو لتأمين نفسه في مكان غير آمن، أيهما أكثر منطقية أو قبولاً؟

السؤال الأهم، ما مبرر السلاح في أميركا حيث التحضر والحضارة، كيف يمكن استساغته مع النظرة العالمية لأميركا بوصفها عملاقة الصناعات المادية والاستهلاكية، هل هو انعكاس للدولة نفسها وانغماسها في الحروب هنا وهناك الذي يترجمه الأميركي كفرد، أم هو أمر يتعلق بجذر الثقافة والنشأة الأميركية حيث غريزة البقاء للأقوى لاتزال تورث لجيل بعد جيل؟ وما مصير هيبة الدولة؟ هل تشرع الدولة حمل السلاح ثم تعاقب على استخدامه، إذن ما دواعي بيعه في الأساس؟

هذه الأسئلة يواجهها المشرّع الأميركي في الكونغرس برفض أي قيود على بيع السلاح وتداوله، بل إن لوبي السلاح في أميركا فاعل رئيسي في المشهد السياسي ولا يمكن تجاهل تأثيره في مسار الانتخابات الرئاسية وهو يميل إلى معسكر دونالد ترامب حيث التهور والعدائية سيدا الموقف، أما المواطن الأميركي فلم يُمنع من شراء السلاح ولم تحمه الدولة أو تحمِ ضحاياه المفترضين.. في حين يقف الإعلام موقف عجز كامل وهو يرى كيف يُقضى على العشرات في أشهر معدودة، بمبررات لا تعني الضحايا بشيء، وحسب إحصائية منظمة توثيق حوادث إطلاق النار الأميركية (GVA) فقد قتل منذ بداية عام 2016 في الولايات المتحدة وحتى الآن (6309) أشخاص بمعدل ألف شخص كل شهر، ألا تتجاوز أميركا بهذا الرقم مناطق الصراع في الشرق الأوسط؟ إذن ما معيار التحضر إن كان صانع الحضارة لا قيمة له؟

نقلاً عن الرياض

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.