شيخ حارتنا

منى يوسف حمدان

نشر في: آخر تحديث:

لم يكن شيخُ حارتنا، وعمدتها في قباء بهيبته، وحكمته، ومكانته بين الناس مثل الذي تُصوِّره الدراما السعوديَّة اليوم في حارة الشيخ.
عدتُ بذاكرتي لأيَّام الطفولة في بيت جدِّي حمدان -رحمه الله- عمدة قباء والسيح لأكثر من ثلاثين عامًا، وبشهادة أهل المدينة وأعيانها، وجيلاً بعد جيل، وبعد أكثر من عشرين عامًا من وفاته، لازالت ذكراه العطرة في أفواه الناس.

لا أكتبُ هذه الكلمات لأنَّي حفيدته التي وُلدت وتربَّت في بيته فحسبْ، ولكن شهادة للتاريخ، وبمنتهى الصدق، كان ذلك الرجل صاحب حضور قوي، وعلمتُ من كبار القوم أنَّ الناسَ كانت تحترم كلمته وتُقدِّرها، حتى إذا جاءه الخصوم لم يخرجوا من مجلسه إلاَّ متصالحين، ولا يحتاجون للمحاكم لأنَّ للعمدة مكانةً وقيمةً كنت أراها في أعين الكبار قبل الصغار.

كنتُ أستمع لبعض الأحاديث التي تُدار في مجلسه، وأرى بعيني علية القوم، كما أرى عامَّة الناس، كل له حظوته وقدره عند جدِّي، يقضي حاجات مَن يقف ببابه.
أبدًا لم يكن العمدة يومًا متخاذلاً، ولا يرضى بأن يقع الظلم على أحد، ويقف مكتوف اليدين، حيث ولاَّه اللهُ أمرًا، ووثقت فيه القيادة؛ ليقوم على تلبية حاجات الناس.. يا جيل اليوم لا تُصدِّقوا كلَّ ما يُعرض في الدراما، فهناك مَن يُدلِّس الحقائق، ويُشوِّه الصورة، من أجل حبكة دراميَّة.
في بيت العمدة كان للمرأة شأنٌ كبيرٌ من الحبِّ والاحترام، وإن كانت لا يُسمح لها بالخروج إلاَّ للضرورة، وكانت احتياجات أهل البيت تأتي إليهم، بما فيها تجهيز العروس عند زواج بناته.

كنتُ في طفولتي أتأمَّل في شخصيَّته وحكمته، فهذا الرجل لم يرتد مدارس، ولا جامعات، ولكنَّه كان «جامعةً» تعلَّمنا فيها، كان يتقن من اللغات الكثير، لمخالطته للأجناس والأعراق المختلفة، تعلَّمتُ منه قيمةً عظيمةً بأنَّه لا يذكر الناس إلاَّ بخير، وهو مَن يعرف أنساب المجتمع المدني، حاضرته وباديته، ولكن إنْ سُئل عن أحدٍ، ولا يريد أن يتعرَّض له بسوء، فيقول: سترَ اللهُ علينَا وعليهِ.

كان عفيفَ اللسان، طاهر اليد، لا يبحث عن دُنيا فانية، ودومًا يُردِّد إنَّ الآخرةَ خيرٌ وأبقَى. وآخر كلماته معي قوله: المدينةُ خيرٌ لهُم لَو كانُوا يعلَمُون.
في مثل هذا الشهر الكريم مرض «مرض الموت»، وطلبَ من اللهِ إن كانت هذه النهاية أن تُقبض روحه في شهر الصيام، فاستجاب الله، وختم له في عصر يوم التاسع والعشرين من رمضان، وكلُّ أهل المدينة الذين يقرأون كلماتي هذه يشهدُون بصدقها، وأنني ما وفَّيت هذا الرجل حقه من الذكر الحسن.
رحمك الله يا جدِّي، وأسكنك فسيح جنَّاته، وألحقنا بك مع كل الأحبَّة ممَّن سبقونا إلى الدار الآخرة في جنات الخلد.
نقلاً عن المدينة

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.