ما يقلقنا في البحرين..!

أحمد الجميعة

نشر في: آخر تحديث:

التطورات والقرارات السياسية الأخيرة في البحرين من إغلاق جمعية الوفاق الوطني، وتجريد عالم الدين الشيعي عيسى قاسم من جنسيته، وقبل ذلك صدور أحكام قضائية على عدد من المدانين في أعمال تفجير وإرهاب في مواقع متفرقة من البلاد؛ تكشف عن رؤية سياسية وأمنية جديدة في التعاطي مع التحرك المثير في هذا التوقيت لأحزاب وجمعيات ورموز شيعية هناك، ومطالبهم بالإصلاح السياسي كغطاء لما هو أكبر، وهو الشعار الذي رفعوه في فبراير 2011 في «دوار اللؤلؤة» الشهير وسط المنامة، وانتهى بعشرات القتلى في مواقع متفرقة، بعد أن تحولت المظاهرات من حالتها السلمية إلى مواجهات دامية مع قوات الأمن والمدنيين، بل أسوأ من ذلك حينما رُفعت أعلام إيران و «حزب الله» في مشهد يكشف النوايا، وحجم المخطط، والأدوات التي بقيت تنتظر ساعة الصفر.

الحكومة البحرينية استوعبت درس 2011، ولن تعيد الماضي بقرارات ناعمة بالعفو، وإقالة وزراء، وإسقاط قروض، وبناء مساكن، وتوظيف، وهي قرارات مهمة ولكن لا يعوّل عليها في مواجهة أزمة من أساسها طائفي، وليست مطالب شعبية مشروعة تنتهي بتوفيرها، ولهذا كانت القرارات الأخيرة صارمة وعلى مستوى الحدث، خاصة في غلق جمعية الوفاق أكبر حزب سياسي شيعي تحريضي في البحرين، وتجميد أصولها، وإغلاق مقارها بعد صدور حكم قضائي، وهي رسالة لبقية الجمعيات والأحزاب الشيعية التي تخدم المشروع الإيراني، كذلك تجريد عيسى قاسم من جنسيته رسالة أخرى للتصدي لكل رمز شيعي يحاول إثارة الانقسام المذهبي، أو تصدير ولاية الفقيه، وهي قرارات وجدت التأييد من المملكة ودول الخليج، ومن هيئة كبار العلماء في المملكة، وهي رسالة أيضاً لها دلالات عميقة في مشروع التصدي للفتنة بثوابت وأصول دينية راسخة، وليست بيانات وشعارات وتهديدات يرّوج لها الإعلام الإيراني، ورموزه، وآخرهم الإرهابي الأجير قاسم سليماني الذي يهدد ويتوعد، ولا يستحق الرد عليه.

هذا التحول القوي في القرار البحريني لمواجهة الأزمات الداخلية يبعث أريحية على أن هناك خطوطاً متماسكة وصلبة للوطن في أمنه واستقراره لن يتم تجاوزها مهما كانت التحديات والمبررات، كما أن دعوة الحوار الوطني ليست ضعفاً أو خوفاً، وإنما رغبة صادقة في العيش بسلام، وأمان، ومستقبل أفضل بلا طائفية، كما أن الإصلاح السياسي والاقتصادي حق مشروع في مجالس شرعية منتخبة، وليست أوامر يجب تنفيذها واستدعائها من الخارج، وهو الخلاف بين الحكومة والجمعيات والأحزاب الشيعية هناك، حيث لا يمكن أن تسمح الحكومة أو تثق في رموز مدّوا أيديهم إلى إيران، وحرّضوا على الفتنة الطائفية، ولن تتجاهل أو تتغافل عن أدوارهم المشبوهة، ومخططاتهم؛ فما حدث 2011 كافٍ لتعرية ما تبقى منهم حتى وإن عُفي عن بعضهم.

أكثر ما يقلقنا في البحرين هو نشوء جيل قد لا يقبل التعايش الذي كان عليه آباؤه وأجداده من مئات السنين، وقد يساوم على الوطن وربما يبتزه من أجل مشروع طائفي بغيض ورخيص، وهو ما يقلق الحكومة أيضاً، ولهذا سعت وتسعى من خلاله مؤسسات المجتمع المدني هناك، والمؤسسات التعليمية أن تصيغ وحدتها الاجتماعية على أساس من التعايش والاحترام وقبول الآخر، والتمسك بالوطن أرضاً وإنساناً، وهي مرتكزات موجودة ولكنها بحاجة إلى تعزيز بلغة معاصرة، ونماذج وشواهد تكشف لجيل وأجيال البحرين كيف كانت نهاية «دوار اللؤلؤة»؟، وهل يستحق أو يحتمل البحرين البلد الجميل والطيّب والمتسامح كل هذا العقوق؟.. اللهم أحفظ البحرين وأهلها (سنة وشيعة) وقيادتها من كيد الأعداء في الداخل والخارج.
نقلاً عن الرياض

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.