من أزقة الهفوف إلى حارات جدة

مشاري عبد الله النعيم

نشر في: آخر تحديث:

اعتقدت لوهلة من الزمن أن ذلك الشعور الرمضاني الجميل الذي كان يتملكني في ليالي رمضان لن يعود أبدا، وأن تلك الليالي الطفولية التي كنت ألهو فيها مع رفقائي خلف "بوطبيلة" أو "المسحراتي" في أزقة حارتنا القديمة في مدينة الهفوف قد ذهبت دون رجعة.

مرت سنوات كثيرة على ذلك الإحساس الغامر بالفرح وبعفوية المشاعر وصفاء البال، تبدل فيها رمضان إلى حدث روتيني وممارسة لشعيرة خف فيها الحس الاجتماعي الذي يجعل الذاكرة تشتعل، وأصبحت ليالي رمضان مجرد أرقام نحسبها حتى تحين ليلة العيد لنقول "انقضى عام" فقد تعودنا أن نحسب الأعوام من رمضان إلى آخره.

مازالت ذكريات وصور أزقة الهفوف تملأ ذاكرتي حتى وجوه الناس تجمدت عند تلك الأعوام التي مر عليها ما يقارب الأربعة عقود، وما زلت كل رمضان أحن لتلك الليالي، لكنها لم تعد أبدا.

لا أعلم لماذا فقدنا كل تلك الصورة العفوية التي كانت تجعل من رمضان حدثا اجتماعياز بالدرجة الأولى؟

ما افتقدته فعلا بعد تفكك الحارة القديمة وتشتت سكانها هو "اللمة" التي كانت في رمضان، تجمع الصبية وتفاعل الأهالي. في ليالي رمضان المجالس مفتوحة والقلوب أقرب لبعضها البعض، يندر أن يكون الفطور دون وجود الأقارب والأصحاب ومائدة الفطور خليط من موائد الجيران فكل بيت يقدم للجيران طبقه الاحترافي، استعراض بسيط ومبهج لكنه يحمل معاني ثقافية واجتماعية عميقة.

تلك التقاليد العفوية كانت تشكل نظاما اجتماعيا تكافليا بإمكانات بسيطة وموارد محدودة لكنها تصنع فرحا لا ينتهي وسعادة لا توصف.

أعتبر نفسي من المحظوظين الذين عاشوا تلك الفترة الذهبية من الحياة الاجتماعية خصوصا بعد أن جربت التحول في نمط العمران والحياة والتباعد التدريجي الذي حدث بين الناس إلى درجة أن ثقافة رمضان بأكملها أصبحت "تلفزيونية" وافتراضية ولم يعد هناك أي مظهر حقيقي للحياة الاجتماعية في هذا الشهر الذي كنا ننتظره كل عام بفارغ الصبر. والذي يظهر لي أننا كنا مندفعين كثيرا إلى مظاهر الحياة المعاصرة ولم نفكر فيما سنخسره نتيجة لهذا الاندفاع.

عندما أقول هذا الكلام يقول لي بعض الزملاء هل تستطيع أن تعود للحياة في المدينة القديمة؟

وأنا أقول لهم دائما لو عاد الناس لعدت، لأن الهدف بالنسبة لي ليس العيش في المدينة القديمة بقدر ما هو استعادة لتلك الإلفة التي جعلتني أشعر حتى اليوم أنني فقدت شيئا ولم استعده.

هذه الذكريات تدافعت لدي بشدة عندما زرت جدة التاريخية يوم الأحد الفائت، فقد كانت تعج بالحياة، شاهدت حارت جدة تستعيد حياتها القديمة بكل تفاصيلها في ليالي رمضان، ورغم أني غبت للحظات وانتقلت إلى فضاء آخر كنت اعيشه في يوم عندما كان قلب مدينتي ينبض بالحياة وكانت قلوب أهلها مرتبطة بالمكان ومن يسكنه، لكني عدت إلى جدة التاريخة وحاراتها، وتمعنت في وجوه الناس فشعرت بمسافة السعادة التي تحدثها تلك الأزقة في قلوب الجميع مقارنة بالمحيط العمراني الباهت خارج المدينة التاريخية، النساء والأطفال والشباب والشيوخ تعلوهم ابتسامة حتى اولئك المنهمكين في العمل.

الثقافة الحجازية الجداوية بكل عنفوانها تتجسد في ليالي جدة القديمة. أحسست أن المشاعر العفوية التي كانت تمثلنا في السابق وتجعلنا أكثر سعادة بدأت تنمو من جديد بين ظلال الرواشين التي ظلت لسنوات تئن من هجران من بناها وسكنها، لكنها الآن تشعر ببعض الفرح وهي تعيدهم إليها وتضمهم تحت جناحها.

رمضان له طعم آخر في جدة التاريخية، إنه حدث يعتمره الفرح وبيوت جدة القديمة الخالية التي كانت تشعر بالحزن الشديد خلال العقود الماضية بدأت تبتسم كابتسامة أطفال جدة وكابتسامة رفقائي في أزقة الهفوف عندما كنا نلهو دون أن نفكر في هموم الحياة، ولمَ تثقلنا الهموم ولدينا جيران وأصحاب يقفون معنا في كل شدة ويواسوننا عند كل مكروه ويفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا؟

في جدة التاريخة بدأت استعيد قيمة "العمران الاجتماعي" الذي هو أهم من العمران المادي أو هو الغاية من العمراني المادي، لكنني تأكدت كذلك أن عمارتنا التاريخية بكل بساطتها هي التي كانت تصنع العمران الاجتماعي وتجعل منه واقعا معاشا، إنها تلم الشتات وتجمع قلوب الناس، أو كما وصفها أحدهم بأن تلك البيوتات التي تتكئ على بعضها البعض ورواشينها تقابل بعضها البعض تعبر عن اتكاء الناس على بعضهم البعض وتعكس تقارب قلوبهم ومشاعرهم.

لا أريد أن أبحر في "رومانسية" العمران القديم ولا أحبذ التباكي على الماضي لكني تيقنت ان مدننا التاريخية يمكن أن تعيد الفرح لدى الناس وتعيد اجتماعهم من جديد. مهرجان جدة التاريخية الرمضاني اصبح "علامة ثقافية" لها نتائج اجتماعية مؤثرة في النفوس، وهو حدث يستعيد التكرارية التي عادة ما تبني حولها تقاليد. إنه يذكرني بكتاب قرأته منذ فترة اسمه "اختراع التقاليد" لأنه فعلا سيطور تقاليد ويخترعها من جديد لتجمع بين الموروث والمعاصر وتقدم البيئة العمرانية التاريخية في قالب معاش لكنه في نفس الوقت يستعرض لنا دروسا مجانية لتخطيطنا العمراني المعاصر الذي فشل فشلا ذريعا في احتواء المجتمع السعودي ولم يستطع أن يعبر عن ثقافته الاجتماعية وساهم مساهمة كبيرة في إحداث الشتات والعزلة المجتمعية التي يعيشها الناس في الأحياء الجديدة.

أعادتني جدة لبداية انتقالنا من الحارة الجديدة في مطلع الثمانينيات الميلادية، فما زال الشعور بالحزن الذي انتابني في ذلك الوقت لم أتخلص منه حتى اليوم، لأني فقدت الصحبة والرفقة والعفوية وسماع صوت الجيران والاحساس بحركتهم، أحسست أنني انتقلت إلى سجن أنيق وكان الناس يشعرون بسعادة واهمة، فقد اعتقدوا أن الحي الجديد والفيلا هما الحداثة والتمدن ونسوا أهم عناصر التحضر وهو العلاقات الاجتماعية الحميمية التي كانت تؤدب النشء. الحارة كانت مدرسة سلوكية يتربي فيها الشباب وليست أزقة ورواشين، وهذا ما أتمنى أن نستعيده، فالمهرجان جميل ورائع ويذكرنا بالكثير مما فقدنا لكننا بحاجة إلى خطوة أوسع وهي استعادة القيم التي قامت عليها تلك الحارات، وهذا هو الأهم.

*نقلا عن صحيفة "الرياض".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.