من يدرس جرائم الداعشيين؟!

محمد العصيمي

نشر في: آخر تحديث:

صدمة أخرى يصاب بها مجتمعنا بعد تداول الناس خبر قتل داعشيين لوالديهما ومحاولة قتل أخيهما الأصغر. وقبل ذلك قتل داعشيون ابن عمهم وقتلوا خالهم وهم يقتلون، فيما يبدو أنه مرض مستحكم في نفوسهم، أي أحد بغض النظر عن درجة بعده أو قربه منهم. قتل الداعشيين لأقاربهم يدل على حالة أخرى تتوازى أو تتماهى مع حالة التطرف والإرهاب التي يعتنقونها. هناك شيء لا يمكن فهمه أو تفسيره في هذه الجرائم الموجعة التي لم تحدث مرة أو مرتين، بل هي تتوالى لتفجعنا كل حين في صميم وجودنا وأماننا الأسري والاجتماعي. ولا أعتقد أننا سنفهم أو نفسر جرائم هؤلاء الشباب وجرأتهم على رقاب أهاليهم إلا بإخضاع الأمر لدراسة علمية مستفيضة تتنادى لها كل مؤسسات الدولة والمجتمع لتحلل الظاهرة وتفسر لنا كيف زرع في ذهن أي من هؤلاء المراهقين أو الشباب أن قتل أبيه أو ابن عمه أو خاله أو أخيه، أو قتل أي إنسان، طريق سالك إلى الجنة.!!
لا بد، وهذا مجرد انطباع شخصي، أن هناك شيئا ماديا، غير الحالة الفكرية، يتعاطاه هؤلاء ليكونوا قادرين على فقدان شعورهم وقيمهم الدينية والاجتماعية، إلى درجة أن تمتد يد أحدهم إلى جسد أبيه أو جسد أمه ليمزقه إربا. هذا شيء مهول لم نتخيل أن نراه في كوابيس منامنا. وهو يدل على أننا، رغم كل المد الديني والوعظي السابق، افتقدنا ونفتقد بوصلة توجيه الشباب فعلا إلى اعتناق القيم الدينية والاجتماعية الصحيحة التي تدله على فعل الخير وتمنعه عن فعل الشر. هناك أزمة حقيقية لدى مراهقينا وشبابنا لم نتعامل معها إلى الآن بمنطق فكري ينقذهم من براثن الشياطين المتربصين بفراغهم وضحالتهم.
ليس هناك أسهل من التغرير بشاب لم يحصن ببيئة فكرية واجتماعية حقيقية تجعله قادرا على التفكير والتمييز بين الخير والشر وبين القيم الإنسانية والقيم الشيطانية. ولو أننا، في هذا السياق، فحصنا وسائل وأدبيات «داعش» لوجدنا أنها تفوق في انتشارها وتأثيرها وسائلنا وأدبياتنا، بينما نحن إلى الآن نتداول كلاما مستهلكا عن حفظ الشباب ونصحهم لتجنب مزالق الفتن والإرهاب. ولا يبدو أننا مستعدين للاعتراف بقصور وتخلف خطابنا الفكري الموجه لهؤلاء الشباب لأن الإرادة التي توفر هذا الخطاب، على وجهه الصحيح والمؤثر، ليست موجودة بعد، رغم كل ما يفجعنا من جرائمهم.
ما أدعو إليه وأصر عليه هو أن تلتئم إرادتنا الوطنية والاجتماعية لفحص حالة الإجرام المستشرية والمؤلمة من شبابنا الداعشيين عبر دراسات جادة وجازمة لتفسير هذه الجرائم، وأن نطلق إستراتيجية وطنية فكرية تؤدي إلى بناء بيئة اجتماعية خالية من شوائب التشدد والتطرف لكي نقول إننا في الطريق الصحيح للمحافظة على شبابنا واجتثاث أسباب الإرهاب وجرائم الإرهابيين.

*نقلا عن صحيفة "عكاظ".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.