بين عيد لندن ونيس.. مسلمو الإنسانية ومسلمو الادعاء

هتون الفاسي

هتون الفاسي

نشر في: آخر تحديث:

أكتب من لندن حيث أمضي مع أسرتي بعض الوقت ليستكشف أبنائي شيئاً مما في العالم، حيث يستكشفون ثقافة أخرى تتقاطع معنا بشكل أو بآخر إنسانياً أو فكرياً. كانت فرصة أن أمضينا بضعة أيام من رمضان فشعرنا بما يقاسيه مسلموها من ساعات صيام طويلة تمتد من الثانية والربع ليلاً وحتى التاسعة والنصف مساء مهما كانت الأجواء باردة ولطيفة ولكنها تجعل الإنسان أمام تحدي المقاومة لشهواته. كانت أيضاً الفرصة ثمينة أن حضرنا احتفال أمانة بلدية لندن بعيد الفطر في احتفال مهيب وضخم احتل قلب ميدان الطرف الأغر وضم عشرات آلاف المسلمين، لا أعرف كم بالتحديد. وكنت أعتقد أن الاحتفال أقيم كمبادرة من رئيس بلدية لندن الجديد المسلم، صادق (صديق) خان، ولكني علمت فيما بعد أن الاحتفال بعيد الفطر بلغ عامه الحادي عشر هذا العام وقد أصبح تقليداً لندنياً رسمياً ومستمراً. ويضم منصة بعروض فنية واستعراضية تمثل الكثير من الشعوب الإسلامية وفنونها ما بين راقصة وعازفة ومغنية أو مجرد ارتجال كوميدي، وانتهت بفرقة القوالين الباكستانية، كما ضمت عدداً من المغنين العرب الشباب. وبالإضافة إلى المنصة الرئيسية التي امتد احتفالها واحتفال بقية الأركان والخيام من الساعة الثانية عشرة ظهراً وحتى السادسة مساء، كانت هناك خيام الأطعمة المختلفة التي ترضي كل أذواق الثقافات الإسلامية، وخيام أخرى تجذب المحتفلين من كافة الأعمار إلى خيام فنية حيث يمارسها الأطفال أو الكبار، وأخرى خيمة لفنانة بريطانية مسلمة "صديقة جمعة" تجعل من الكعبة محوراً لكل لوحاتها بشكل إبداعي، وكانت لوحة البصمات التفاعلية ملفتة حيث تطلب من كل كبير وصغير يدخل مساحتها أن يمسك بالريشة ويضع ضربة فرشاة واحدة من إحدى الألوان المرصوصة على المنضدة المجاورة، وعندما وصلنا كانت اللوحة مبهرة بألوانها ونقاطها الممتزجة والتي ما زالت تسمح بالمزيد من الضربات الجميلة.

كانت الأفكار لا تنتهي ولقائي بعدد من صديقات الدراسة في مانشستر وأطفالهن أجمل حيث تعارف الأطفال وانطلقوا إلى ما يثير اهتماماتهم المشتركة، وكانت إحدى فرص هذا الاحتفال لقاؤنا بأمين العاصمة، الذي كان من معارف صديقتي الدكتورة حسينة لوكهارت فاتجهتْ بنا إلى كواليس المنصة وما لبث أن خرج ليسلم علينا ويلتقط صورة معنا ومع الأطفال التي لم نستطع استكمالها وقد لفت ظهوره الناس فتكالبوا علينا من يمين وشمال فسلمنا سريعاً ومضينا. وكانت لفتة جميلة منه ومن طاقمه وضع صورته مع الأطفال على حسابه على تويتر وهو يهنئ الجميع بالعيد وبالحضور من ممثلي الثقافات المتعددة والدول المختلفة.

لاشك أن تجربة العيد في لندن كانت متميزة وحضور هذا الحدث يستحق تخصيص مقالة خاصة به على الرغم من أني أكتب هذه المقالة في أجواء ليست الأفضل، وإنما في ظلال العمل الإرهابي الذي أصاب نيس/فرنسا مساء أمس، وفي يومهم الوطني الذي يعنون ذكرى الثورة الفرنسية، عمل إرهابي حصد قرابة 84 روحاً نصفها تقريباً من الأطفال والمزيد ما يزال يرقد في المستشفيات في حالة خطيرة، والمقترف: عربي مسلم فرنسي من مواليد تونس. المفارقة كانت صارخة ما بين ما يجري بين مسلمي الغرب في مكان ومكان، ومسلمي الغرب والشرق. بين هؤلاء المنتفعين من دول الغرب المتقدمة وخدماتها وامتيازاتها وتعليمها وصحتها وضمانها الاجتماعي ومساكنها ومدارسها وطرقها وخدماتها الاجتماعية المتنوعة وبين من يستبيحون الأمن والعهد والثقة. ففي حين كان عيد لندن يحتفي بالتنوع الثقافي الإسلامي البريطاني، كان مسلم فرنسي يغدر ببلد حمته واستضافته في عيدها القومي الذي يحتفي بالحرية معاقباً إياها وكل محتفٍ على تاريخ ليس لهم صلة به من قريب ولا من بعيد.

من السهل النيل من المدنيين والضعاف، من النساء والأطفال والآمنين، ولكنها ليست حرب مروءة وشهامة ولا صلة لها بأي دين فضلاً عن ديننا الإسلامي.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.