عاجل

البث المباشر

فيصل العساف

<p>كاتب سعودي</p>

كاتب سعودي

غرد كأنك بـ"التسعينات"!

«لا يمكن لمسلم يخشى الله أن يقبل تطبيع الدولة الوشيك مع الإسرائيليين، وحكومتنا تعي جيدا بأن القدس إن ماتت قضيتها فيهم فإن دونها منا خرط القتاد!». انتهت التغريدة.

بعد غزو صدام حسين للكويت انبرت بعض الحناجر والأقلام المحسوبة على التيار الإسلامي تعارض دخول أميركا على خط التحرير، محذرة من أن ذلك ليس إلا ذريعة لاحتلال «جزيرة العرب»! واستمرت هذه الأصوات تحلل تداعيات الأحداث، مستندة على نظرية المؤامرة، وأيضاً على التشكيك في التزام السعودية بقضايا المسلمين التي تعتبرها من أولوياتها، حتى بلغ التجييش حد الافتراء في استقراء المستقبل السياسي، إلى درجة التحذير من تطبيع «وشيك» بين السعودية والإسرائيليين. كل ذلك كان بالتوازي مع الجهد السياسي الذي تقوم به الحكومات العربية، لأجل إيجاد حل مناسب للقضية الفلسطينية، آخذة بعين الاعتبار موازين القوى العالمية التي تميل كفتها كل الميل لمصلحة إسرائيل، وتأثيرها في ساحة المفاوضات في مدريد 1991، ثم بعد ذلك في واشنطن عند التوقيع على معاهدة أوسلو سنة 1993.

في ذلك الوقت كان الموقف الشرعي ممثلاً بهيئة كبار العلماء براجماتياً - بحسب التعبير السياسي- بامتياز، يقول مفتي السعودية السابق الشيخ عبدالعزيز بن باز - رحمه الله - في معرض إجابته عن سؤال طويل، يشرح منافع الإسرائيليين، في حال ما أسماه السائل «بالتطبيع»: «كل دولة تنظر في مصلحتها، فإن رأت أن من المصلحة للمسلمين في بلادها الصلح مع اليهود في تبادل السفراء والبيع والشراء، وغير ذلك من المعاملات التي يجيزها شرع الله المطهر، فلا بأس في ذلك. وإن رأت أن المصلحة لها ولشعبها مقاطعة اليهود، فعلت ما تقتضيه المصلحة الشرعية». مستدلاً بمصالحة النبي - صلى الله عليه وسلم - لأهل مكة ويهود المدينة وخيبر، ومعللاً ذلك بأنه يكون في حال عجز المسلمين.

إمكان عجز المسلمين أمر فهمه النبي - عليه الصلاة والسلام - والعلماء الربانيون، وعملوا بمقتضاه بحسب المصلحة، ولكن انتهازية الحركيين الإسلامويين جعلتهم يرون هذا العجز بمثابة الورقة المناسبة، التي يمكن تحريكها متى دعت الحاجة السياسية إليها، من أجل ضرب التوازن المجتمعي بين الحكومات والشعوب، وهو أقصى طموحاتهم نحو حلم السلطة. نجح ذلك بالفعل أو كاد في تسعينات القرن الماضي في الداخل السعودي، حين تركز الضغط الممنهج باتجاه تخوين الدولة، باعتبارها تسير في طريق التطبيع، قبل أن تواجه الحكومة السعودية ذلك بعد طول صبرها بحملة اعتقالات، شملت رموز العمل الإسلامي السياسي، التي كان تأثيرها واضحاً من خلال حضها وتحريضها على الحكومة التي تعاملت انطلاقاً من مكانتها في قلوب المسلمين مع الحق الفلسطيني على مدار تاريخها، باعتباره واحداً من الثوابت الإسلامية الذي لا يمكن التنازل عنه، وتنبغي إعادة الأمور فيه إلى نصابها قدر الاستطاعة.

أكثر من 25 عاماً تمر اليوم على إرجافاتهم، ولم تُقم السعودية أي نوع من العلاقات مع الإسرائيليين، مع أن ذلك من مصلحتها السياسية دولياً لو كانت تفكر في معزل عن هموم أمتها، ولكانت وجدت إلى ذلك ألف عذر، كغيرها من المتحججين الجدد، الذين تعج موائدهم بمرتزقة التأزيم.
اليوم وفي ظل المتغيرات السياسية والتحديات التي تتكالب على منطقتنا برمتها، فإنه ليس من المنطقي ولا المقبول سياسياً أن تقف السعودية مكتوفة الأيدي تتلقى وحدها موجات الإقصاء، سواء من خلال الاتهامات الجائرة بدعم الإرهاب، على رغم ما تعانيه داخلياً من ضرباته الموجعة للضمير الإنساني قبل الموروث الديني الذي تستند إليه ويسعى الإرهابيون بجهلهم وانتقائيتهم إلى نقضه وتسهيل سبيل الانقضاض عليه، أم بسبب الوقوف إلى جانب قضايا الأمتين الإسلامية والعربية في شكل صارم، ينطلق من مسؤولية عظيمة حملتها السعودية بكل إخلاص وتفانٍ، فيما يتملص الآخرون منها بعين قوية، تشير إلى واقعية السياسة بلا خجل أو شعور بالذنب!

ما أود قوله إن على السعودية اليوم واجب التوقف لمراجعة الذات، والنظر إلى المسؤولية الأخرى التي لا تقل بأي حال عن تلك التي طالما تبنتها في سبيل غيرها بلا جزاء منهم ولا شكور، وهي مسؤولية الوطن الذي يصون مقدراته بعيداً عن أشكال العزلة السياسية، التي يقوده إليها ثبات المواقف، فيما البقية متحركون!

وإن كانت هناك من وصية، فإنها لن تكون أقل من استعارة شعار «نفسي نفسي» الذي يرفعه الجميع من دون تردد، ولو إلى حين.

* نقلا عن "الحياة"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات