مفارخ الإرهاب الإلكترونية

عماد العباد

نشر في: آخر تحديث:

كان شهر يوليو المنصرم الأكثر دموية في أوروبا وبالتحديد في فرنسا. جرائم إرهابية عدة ضربت مدن أوروبية وتفنن مرتكبوها في جعل كل جريمة أشد فظاعة مما قبلها، فمن مجزرة الشاحنة التي هرست أطفالا ونساء وأشخاصا مسالمين كانوا يحتفلون بطمأنينة، الى هجوم بالفأس والسواطير في ألمانيا وانتهاء بقطع عنق قس مسن مسالم في كنيسته، تلك الكنيسة التي تبرعت في يوم ما، لبناء مسجد.

أسلوب ارتكاب الجرائم الأخيرة يوحي بان الإيغال في الترويع وزيادة مستوى البشاعة هو تكنيك مقصود ومتعمد. وقد لا يكون مفاجئاً أن يحدث في المستقبل ماهو أبشع من ذلك. ربما نحر أطفال أو حرق مسنين أو أي سيناريو آخر تجود به المخيلة المريضة لداعش التي تحرك الدمى الساذجة من أبناء المهاجرين.

أسلوب البشاعة الصادمة يوحي أيضا بأن العمليات ممنهجة وتخضع لتخطيط دقيق وترمي لتحقيق هدف لا نعلم ماهو بالتحديد. فالأمر لم يعد فقط إيقاع خسائر في الأرواح بقدر ماهو استفزاز ونكش لأعصاب أكثر الناس حلماً وحيادية.

ولن تتوقف هذه العمليات في أوروبا وغيرها حتى يتحقق الهدف الذي يصبو إليه المخطط والمحرض لهؤلاء الدراويش المراهقين.

هذا الجنون الإرهابي الذي طال المسلمين قبل أن يطال غيرهم ولم تسلم منه حتى الأراضي المقدسة لا يمكن إيقافه إلا بخطة صارمة محكمة تعمل على هدف بعيد المدى يتمثل بتجفيف المستنقعات عبر إعادة الاستقرار للشام والعراق.

وهدف آخر فوري يقوم على ضرب خطوط الاتصال بين القادة المحرضين والبسطاء المنفذين. ولكي نستطيع تطبيق هذا الإجراء علينا أن نعرف أولاً كيف تتم عملية التجنيد.

دراسة الحالات السابقة تؤكد أن أغلب الذين قاموا بالعمليات الإرهابية ـ سواء كنا نتحدث عن إرهاب اوروبا أو غيرها ـ هم شباب مراهقون لم تكن لهم خبرة قتالية سابقة، أعني أنهم لم يكونوا مقاتلين سابقين في الشيشان أو افغانستان أو حتى في سورية. وبالتالي تجنيدهم تم حديثاً عبر وسيلتين فقط. إما أن يكونوا قد تأثروا بشكل مباشر (وجهاً لوجه) بمحرض يقطن معهم في نفس البلد، أو أن يكون تجنيدهم قد تم عبر الإنترنت بالوسائل الثلاث الأكثر شهرة (فيسبوك وتويتر ويوتيوب)، أو بالوسيلتين معاً.

وإذا كانت الوسيلة الأولى أصعب من الأخيرة على اعتبار الخطورة التي يتعرض لها المحرض لكونه هدفاً سهلاً نسبياً للجهات الأمنية، فإن الوسيلة الأخرى وهي التجنيد الإلكتروني هي الأكثر فعالية والأسرع والأسهل. وبالتالي يجب أن تقوم الجهات الأمنية بجهد مضاعف لتتبع التحريض الإلكتروني بالإضافة الى ممارسة ضغوطات كبيرة على شبكات التواصل الاجتماعي لمتابعة وملاحقة الحسابات المتطرفة. وإعطاء الحرب الإلكترونية على المتطرفين أولوية قصوى بل وإيقاع عقوبات على هذه الشركات في حال تهاونها مع الحسابات المحرضة. خصوصاً وأن شبكات التواصل الاجتماعي تحقق إيرادات بالمليارات وليست عاجزة عن تجنيد جيش من الخبراء المتخصصين في متابعة الحسابات المشبوهة.

وأخيراً، العنف الذي شهده العالم وتصاعدت حدته بشكل خطير في الآونة الاخيرة لازال في بداياته وسنشهد المزيد من البشاعة والترويع مالم نتخذ إجراءات تستهدف منابعة وخطوط الإمداد والتجنيد والتي لن تتم طالما بقي الشام تتزاحم عليه سياط الجلادين من روس وإيرانيين وغيرهم. فيما يرزح العراق تحت سطوة الصفويين الذين حولوه لدولة فاشلة عاجزة عن توفير أبسط مظاهر الحياة الكريمة لشعبها ومفرخة للإرهاب الطائفي الذين لن يفضي إلا للمزيد من الدموية والتناحر.

* نقلاً عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.