هل ينجح القادة المتشددون؟

عبد الرحمن الحبيب

نشر في: آخر تحديث:

كم شخصاً قال لك إن دعاة التشدد ضد الأجانب في الغرب معذورون أمام الهجمات الإرهابية في بلادهم؟ أشهر دعاة التشدد ضد الأجانب ترامب المرشح الجمهوري الذي ينوح ويصرخ من هجمات الإرهابيين الأجانب في أمريكا رغم أنها حادثة واحدة فقط حصلت الشهر الماضي.
كيف استطاع ترامب إثارة الرعب؟ هناك إحصاءات وهناك قصة.. القصة تشكل علاقة وجدانية مع الآخرين، بينما الأرقام جافة بلا عاطفة، حسب نظرية الذهن. قصة ترامب هي «الإرهاب في مدننا يهدد نمط حياتنا، والمهاجرون غير الشرعيين يقتلون رجال الشرطة ويزيدون معدلات الجريمة والبطالة.» قصة مرعبة، لكن الإحصاءات تكشف زيفها فالمعدل العام للجرائم شهد هبوطاً قياسياً تاريخياً في أمريكا؛ ومعدل البطالة انخفض قياسياً إلى 5.5% (لوسنهوب، بي بي سي).
لكن لماذا نعتقد أن الجرائم تزداد في أغلب البلدان رغم أن الإحصاءات تقول عكس ذلك؟ إنها الكاميرا التي صارت بأيدي الناس.. فالحادثة التي تحصل سابقاً دون تصوير كان يعلن عنها في الأخبار المحلية ليوم أو يومين وتنتهي، أما الآن فتصور حية مباشرة ومؤثرة يتناقلها الملايين ويتناولها الإعلام فتؤثر في الأذهان مما يولد انطباعاً بأن معدل الجريمة يزداد.
الحدث في الإعلام هو قتل شخص بإطلاق النار عليه، وليس عدد الضحايا بسبب الحوادث. الخبر الأول أكثر إثارة لتفكيرنا العاطفي من الثاني حسب نظرية الذهن، رغم أن الثاني أهم كثيراً حسب نظرية المعلومات؛ ورغم أننا ندرك عقلياً أن ثمة ضحايا كثراً في الخبر الثاني إلا أننا لا نراهم، فالأشياء التي لا نراها قد تعتبرها أذهاننا غير موجودة..
خذ مثلاً لدينا بالمملكة العديد الذين يذهبون ضحية حوادث السير وسببها السرعة والتهور ويعلن عنها بالأرقام، وهي أضعاف مضاعفة لضحايا الحوادث الجنائية والإرهابية.. لكن طبيعة الإعلام يركز على الأخيرة.. فالخبر الثاني أكثر إثارة لتفكيرنا العاطفي خاصة إذا كان مصوراً. في إحدى تجارب عالم النفس بول سلوفك قام بطلب التبرع من مجموعتين؛ الأولى مع صورة لطفل نحيل تنزف عينيه دماً من مالاوي، والثانية مع نشرة إحصائية عن المجاعة في مالاوي متضمنة معلومة بثلاثة ملايين طفل مالاوي يعانون المجاعة. معدل التبرع بالأولى كان ضعف الثانية. حسب نظرية المعلومات فإن الثانية تعطي حجم المجاعة في المالاوي بينما الأولى صورة لفرد لا تعكس حجم المأساة، لكن حسب نظرية الذهن فإن صور الأشخاص تثير خيالاتنا وأفكارنا في كيفية شعور الآخرين أكثر من الأرقام.
لذا فإن غينغرتش، حليف ترامب، اعتبر الإحصاءات غير مهمة في لعبة السياسة مثل المشاعر، قائلاً: «الأمريكيون العاديون لا يعتقدون أن معدل الجريمة منخفض، ولا يعتقدون أنهم أكثر أمناً.. الإحصاءات ربما تكون صحيحة، لكن هذا لا يمثل الناس. الناس مذعورون».
على نقيض ترامب أعلنت ميركل في ألمانيا: «إننا لن نتخلى عن موقفنا المرحب باللاجئين، وإن الحوادث التي وقعت سنتعامل معها بمسؤولية وإجراءات حذرة لكنها لن تؤثر على الحقوق والحريات..». تعلن ترحيبها باللاجئين بعد أربع حوادث نفذها مهاجرون في بلادها خلال أسبوع واحد.. إنها تمثل الجانب العقلاني في التعامل مع حوادث الإرهاب.. لكنها تواجه ضغوطاً من اليمين المتطرف الذي رغم صغر حجمه إلا أنه يحاول إثارة الرعب بين الناس.
حينما يكون الناس قلقين فإنهم يستخدمون قضية واحدة مؤثرة كبديل عن الخبرة، حسبما ذكرت شانا غاداريان، مؤلفة كتاب «السياسات القلقة». وتقول إيميلي ثورسن، أستاذة العلوم السياسية بجامعة بوسطن: «الأشخاص ليسوا جيدين للغاية في تقدير المخاطر، فهم يخافون من فيروس إيبولا [البعيد عنهم] أكثر من خوفهم من أشياء قد تقتلهم بالفعل مثل الكحوليات، فالأشياء تبدو أكثر خطورة حينما تكون أكثر وضوحاً».
هذا لا يعني أن نطلب من الإعلاميين والساسة العقلاء أن يركزوا على الأرقام النافعة والمعلومات التقريرية، وينسوا القصص؛ فالعقل البشري -حسب نظرية الذهن- يبدأ عادة باستخدام القصص لتفسير الأحداث والعالم والأشياء من حولنا قبل أن يبدأ في التفكير العلمي أو المنظم. لذا الأساطير بدأت قبل الفلسفة والعلم. ومن هنا يرى بريندان نيهان، أستاذ العلوم السياسية في كلية دارتموث، أن تصور أن يسير الناس ورؤوسهم ممتلئة بالإحصاءات أمر غير منطقي.
فما هو المنطقي؟ فلتسمع القصة، لكن عليك أن تعرف من هو المرسل، ما الذي يكشفه ويخفيه فيها؟ ماذا يريد وما هي مصالحه؟ الإعلامي يريد الإثارة، والسياسي يريد استمالة الناس لخططه.. والناس ستقرر. في تجربة لغاداريان على الناخبين الذين شاهدوا إعلانات سياسية لجعلهم قلقين بشأن الهجرة، ثم قرؤوا بيانات لمرشحين متصورين، وجدت أن السياسيين الذين تحدثوا عن خطورة الموقف فقط حازوا على ثقة أقل، مقارنة بالآخرين الذين اقترحوا حلولاً للمشكلة.
رغم القصص المرعبة لترامب فإن الاستطلاعات تظهر أنه متأخر عن كلينتون التي تسرد قصتها عنه بأن «الرجل الذي يمكن استدراجه بتغريدة لا يمكن أن يكون محل ثقة بالأسلحة النووية».. فهل سيمل الناس من القلق المفتعل أو ربما تعتاد عليه ويفشل قادة التشدد؟ الإجابة النسبية حتى الآن تقول إن ترامب سيخسر ما لم تحدث مفاجآت.

* نقلاً عن "الجزيرة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.