ماذا يريد مغردو تويتر من الصحافة السعودية؟

مطلق المطيري

نشر في: آخر تحديث:

شبكات التواصل الاجتماعي قدمتنا لأنفسنا بعبارات وعناوين لا تمت لنا بصلة، فخلطنا حابلنا بنابلنا، وجعلنا الجدل غاية وليس وسيلة فقتلنا القضايا وأحيينا النقاش، حتى أصبح تواصلنا مع بعضنا تواصلا مشوها ومرتبكا وكأنه تواصل بين أصحاب ثقافات مختلفة، وبين أفراد ينتمون لعدة هويات.

هل هذه عولمة أو قلة انتماء لا أعرف؟ ولكن الأكيد انها ليست عولمة التي تعني فيما تعنيه هذه الأخيرة الهيمنة بأدوات ناعمة، وممارسة الأذى بنصائح دولية.. ونحن في شبكات التواصل الاجتماعي ابناء قبائل ومناطق ولكن بضمائر عالمية! هل هذا الوصف له علاقة بالعولمة اترك الحكم لك عزيزي القارئ.

علاقتنا في تويتر مع بعضنا علاقة مخيفة وتنبئ عن حالة انشطار انتمائي كبير، تداركنا الأمر أم لم نتداركه لن تتغير الحال، فقد غدت محاور الاصطفاف الاجتماعي والسياسي هوية تطالب المنتمين لها بالتبعية والاخلاص وربما بعد حين تطالب بالتضحية، فقد دخلت تيارات ظلامية في هذا الفضاء العام تسعى لإعادة تعريفنا لأنفسنا من جديد، تعريفا يفيد الاختلاف الذي يؤدي الى التصادم وليس الاختلاف المنتج للأفكار المفيدة، ولتحقيق هذا الغرض اتبعت هذه التيارات استراتيجية معلوماتية قادرة على التمشي مع تقنيات العصر؛ حيث عمدت للتبشير بانتهاء عصر الصحافة ودخول عصر شبكات التواصل الاجتماعي، وهذا الشيء يوجد به ملمح حقيقي لو انها اكتفت بالتقدم التقني وقدرته على خطف جمهور الصحافة منها، بل ان الامر لديهم أخذ شكل الانتصار على الصحافة سياسيا وإلحاق الهزيمة بها بأثر الهزيمة، الى ان تحولت القضية بالنسبة لهم الى ثأر من الصحافة كمؤسسات حسب زعمهم تدعم الانحلال والتحرر الاخلاقي ومحاربة الدين، اما تويتر واخواته فهو طاهر طهارة مقدسة لا يمسه الدنس ولا ينقل صور الفسق والفجور.

شبكات التواصل الاجتماعي معطى حضاري مهم، ولكن استخدامات التيارات الظلامية لها استخداما انتهازيا دنيئا لا يمس للحضارة بصلة، ولا يضيف للمجتمع سوى الانقسامات المقيتة التي تصيب تماسكه بشرخ كبير.. ولأن أكثر ما يكشف مخططات هذه التيارات هو الصحافة فإن الهجوم عليها كثيف وساخن، من طرف هؤلاء الموتورين في تويتر، فقد تبرعوا بشيء من ضمائرهم لمحركي ساحات الغضب في الانترنت، ليكون الرأي العام كله قضية غضب تبحث عن غضب فلا يهدأ متابع ولا يأمن مبتعد عن ساحاتهم الغاضبة..

قضية هذه التيارات مع الصحافة ليست قضية أدوار مَن يتبع من، بل قضية منازلة سياسية بين خصمين هما من أوجداها، ولن يستريحا حتى لا تجد الصحافة قارئا واحدا يتابعها، حتى يحققا ما يسميانه بالتمكين، وهنا المقصود بالتمكين هو القدرة على توجيه الرأي العام الاتجاه الذي يريدانه.

الفرصة الكبرى التي ساعدتهما في التواصل الواسع مع الجمهور جزء كبير منها يعود للصحافة نفسها، فقد أكلت الطعم وأصابتها شبه قناعة ان عصرها قرب على الانتهاء، والحقيقة عكس ذلك فالفواصل بين الاعلام الجديد والقديم قد ذابت كما يؤكد المتخصصون فالإعلام القديم اعيد تكوينه وتحسينه وحتى طريقة استخدامه ليلتقي مع الجديد في كل جوانبه، فالمطلوب من الصحافة اليوم هو اعادة فحص طبيعة متصفحيها على شبكات التواصل الاجتماعي وليس معرفة طبيعة قرائها التقليديين، فمحتوى الصحافة مازال هو الرافد الأول لشبكات التواصل الاجتماعي، ولكن ينقصه استراتيجية نشر أو تغريدة جديدة، استراتيجية تتابع التفاعل حول المحتوى وتصنع له محتوى جديدا، فالصحافة اليوم ليست صحافة مطبعة بل صحافة تفاعلية تقنية، تعرف أن تحظر تيارا وتسحق تيارا، وترقص مع تيار.

* نقلاً عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.