عاجل

البث المباشر

الوقت من كاليفورنيوم!

عندما كنت طالباً في الجامعة زارني عدد من أصدقائي اليابانيين في المملكة، وخلال جولة في سوق جدة القديم بمنطقة البلد مررنا على محلات تبيع القلائد والحلي المصنوعة والمطلية بالذهب، فقلت متحمساً لأصدقائي: "هل تعرفون أن مقولة الوقت من ذهب موجودة لدينا في اللغة العربية أيضاً كما هي لديكم في اللغة اليابانية؟"؟

ابتسم أحد أصدقائي اليابانيين ابتسامة ماكرة وقال مجيباً: "ولكن الذهب رخيص عندكم يا صديقي!".

مقالة اليوم تناقش القيمة الحقيقية للوقت وكيف ينظر الأشخاص والمؤسسات لهذا المورد المحدود جدا..

بداية اسمحوا لي أن أتحدث عن الكاليفورنيوم (Californium) المذكور في العنوان. هذه المادة تعتبر من أكثر المواد ندرة على كوكب الأرض وتبلغ قيمة استخراج غرام واحد منها حوالي 180 مليون دولار أميركي. ولتقريب الصورة فغرام واحد من الكاليفورنيوم يعادل ما يقارب أربعة آلاف وتسعمئة غرام من الألماس! ولكم أن تتصورا المقارنة مع الذهب..

وننطلق إلى مطار هيوستن في أميركا حيث تلقت إدارة المطار الكثير من الشكاوى من المسافرين بسبب طول فترة الانتظار عند نقطة استلام الأمتعة والحقائب. وعملاً على حل هذه المشكلة وخلق بيئة مريحة للزبائن قامت إدارة المطار بتوظيف أعداد إضافية من الموظفين والعمال لتسريع عمل شحن الحقائب والأمتعة ووضعها على السير الآلي ونجحوا في تقليص وقت انتظار المسافرين إلى ثماني دقائق فقط.

ومع ذلك لم تتوقف شكاوى المسافرين ولم ينقص عددها! وقتها اتخذت إدارة المطار قراراً ذكياً لحل المشكلة وذلك بجعل المسافرين يسيرون مسافة أطول من بعد النزول من الطائرة حتى الوصول لنقطة استلام الأمتعة ما يجعلهم يستغرقون وقتاً أكثر حتى يصلوا.. وبذلك لن يشعر المسافرون بطول وقت الانتظار عند نقطة استلام الأمتعة! هذا الحل قريب من الحل الذي تعتمده الكثير من الفنادق بوضع مرآة قريبة من المصاعد لينشغل بها نزلاء الفندق ويقلل من شعورهم بالانتظار الطويل لقدوم المصعد.

ولمن زار طوكيو فسيلاحظ في محطات القطار أن وحدة المسافة المستخدمة بين المحطات ليس الكيلومترات بل الدقائق! وستجد أن المسافة بين المحطة التي أنت فيها وكل محطة مكتوبة بالدقائق. ولعل هذه الثقافة أصبحت أكثر عالمية الآن بعد انتشار التطبيقات الخاصة بالخرائط والمواقع التي أصبحت تعطيك المسافة الزمنية حسب وسيلة الانتقال أيضا من المشي إلى القطار والسيارة وغيرها.

واذكر سؤالاً طريفاً طرحه زميلي في معمل الدكتوراة بجامعة واسيدا (أبيكاوا كاتسوهوشي) والذي ابتكر روبوتات للاستخدام في المطاعم حين قال: "هل تعلمون لماذا لا يتضجر الناس كثيراً من الانتظار خارج المطعم بينما يشعرون بالغضب الشديد عند انتظارهم للطلبات داخل المطعم؟ الجواب هو أن انتظارهم خارج المطعم بإرادتهم أما انتظارهم داخل المطعم فمسؤوليته على العاملين في المطعم".

وبلغتنا في مقال اليوم فمن ينتظر بالخارج قرر أن يدفع هذا الوقت من عمره من نفسه وبقراره الشخصي، أما من ينتظر داخل المطعم فليس عنده استعداد لتضييع هذا الوقت الثمين في الانتظار.

وليت كل من يتعامل مع قضايا ومعاملات خاصة بالناس يشعر بأن كل تأخير يتسبب به في البت في تلك المعاملة أشبه بمن يجرح من أمامه جرحاً غائراً يسيل دماً منهمراً نتيجة هدر الوقت الرهيب من أعمار وأرواح المراجعين الذين ينتظرون جرة قلم أو ضغطة زر أو ختماً أو قراراً من ذلك الموظف أو المسؤول.. فتلك الدقائق والساعات والأيام والأعوام التي ذهبت لن تعود لأصحابها..

وأختم بكلمات الخبير الإداري ميخائيل ليبوئيف: "إذا أهدرت مالك ستواجه عجزا ماليا، ولكن إذا أهدرت وقتك فقد خسرت جزءاً من حياتك!".

* نقلا عن "الرياض"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات