سوق عكاظ.. الثراء والتنوع

محمد الوعيل

نشر في: آخر تحديث:

لأن مقياس تقدم الشعوب، يكمن أولاً في قدرتها على التواصل الإبداعي بحثاً عن المشتركات الثقافية والفكرية وتعزيزها من أجل نقطة تلاقٍ تجمع الجميع في بوتقتها ويصهرها في تنوعٍ راقٍ يجدد الأصول الإنسانية للبشر على هذا الكوكب، يأتي الحرص السعودي الدؤوب على إيصال الرسالة الثقافية في أروع صورها التقليدية عربياً، وهي الشعر، سحر العرب القديم، ومحطة سجالاته وإبداعاته التي عرفناها، لتكون مباراة تنافسية نحتفظ بها، ونتباهى بجذورها وعمالقتها الذين تركوا لنا موروثاً عظيماً، لا يزال محفوظاً منذ مئات السنين.

وهنا يبقى سوق عكاظ، في دورته العاشرة، والتي انطلقت الثلاثاء الماضي، بالخيمة الثقافية بموقع السوق التاريخية في الطائف، نموذجاً فكرياً ورافداً مهمّاً من روافد تفعيل الحركة الثقافية في بلادنا العامرة، كحلقة اتصال وإشعاع شعري ـ هي الأكبر ـ بيننا وبين الشريك الثقافي العربي، الأخ والصديق والجار التاريخي والجغرافي.. وهنا أيضاً تكون مشاركة حوالي 24 شاعراً من 10 دول خليجية وعربية، تعزيزاً لهذا النموذج الرائد وضمانة لتفعيله بشكل فعلي.

مخطئ من يظن أن السوق، فرصة للتباري والمنافسة الشعرية فقط، ولكني أزعم أنه وإن كان إحياء لماضٍ زاهر، إلا أنه مناسبة رائعة لأن يظهر "عمل عربي مشترك" في ظل ما تشهده الأمة من انقسامات وصراعات وتناقضات، تستوجب إعادة النظر وتشجيع كل ما يساعد على خلق بيئة مناسبة لتجميع القدرات العربية، ثقافياً وفكرياً وإبداعياً على الأقل.

كما أن السوق، بؤرة إشعاع تتلاقى فيها القدرات العربية المبدعة، لترسخ أمام أجيالنا مرتكزاً وقيمة ـ أخاف شخصياً ـ أن يضمحلا أو يختفيا، بفعل التكنولوجيات الجديدة، وصراع الحضارات الثقافية، يكون البقاء فيها للأكثر تمركزاً، وللأكثر تمسكاً بمرجعياته الثقافية وجذوره الفكرية التي تزحف عليها، بل وربما تضربها في الصميم مشروعات أخرى أكثر خطورة، تجعلها تتآكل إن لم تندثر.!

الأهم أيضاً في رأيي، أن أكثر من 30 مفكرا وأديبا ـ منهم المترجم الفرنسي لوك باربوليسكو ـ سيشاركون بأوراق عمل وبحوث أدبية علمية في سبع ندوات ثقافية تقام على مدى ثلاثة أيام.. يمكن من خلالها وضع رؤية حقيقية لمرتكزات فكرية يتم العمل عليها، واستقطاب القدرات والكفاءات لتصل حيّز النور، في إطلالة جادّة على الشريك الإنساني الآخر شرقاً وغرباً.. ثقافياً، ربما بما يعيد لحركة الترجمة القديمة هيبتها المفقودة حالياً كنافذة إشعاع على تيارات الثقافة الإنسانية.

وبالمناسبة، أعتقد أن ما أعلن عن تدشين مجموعة مشروعات جديدة من بينها أكاديمية عكاظ للشعر العربي، ومركز دراسات الشعر العربي ودار عكاظ للنشر إضافة إلى عدد من المنشآت المعرفية والترفيهية.. يمكن أن تشكل بنية تحتية مناسبة، تثري التنوع المطلوب والذي أكدت الأحداث الأخيرة في المنطقة، أننا أحوج ما نكون إليه، في مواجهة الإرهاب والتطرف والعنف.

ذاكرة:
ضرب فنان العرب محمد عبده، موعداً مع كل ينابيع التألق، وأثبت بغنائه أن الصوت الأصيل مع الكلمة التاريخية، لا تنساهما ذاكرة الوطن والذوق والعراقة.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.