عاجل

البث المباشر

التقنية ومستقبل الوظيفة: عدونا الأول

في فرع البنك الجديد على رأس الشارع المؤدي إلى مدخل الحي يعمل الفرع بطاقم موارد بشرية من مجرد شبان أربعة. وإلى جوار فرع البنك مباشرة يعمل المطعم الشعبي الصغير، وكما حسبت، بأيدي سبعة من العمالة المستقدمة. لماذا أصبح التوظيف وفتح فرص العمل في بنك يعمل بآلاف الملايين من الاستثمار أقل من نصف ذات الفرصة في مطعم شعبي؟ الجواب الوحيد هو صراع طوابير الموارد البشرية مع ثورة التقنية. قبل خمس سنوات بالتقريب كنا نذهب لطابور البنك من أجل سداد فاتورة الماء والهاتف، وهذا ما كان يحتاج من البنوك إلى فتح الشبابيك لمواجهة الزحمة. اليوم، يدير كبار رجال المال والأعمال أمور شركاتهم العملاقة بنكيا عبر موظف أو اثنين أمام جهاز حاسوب، بعد أن كان الواحد من هؤلاء يشغل بأعماله عشرات الموظفين في البنك الواحد. خذ في مثال التقريب الآخر: كل رافعة صفراء واحدة بجوار أحد المباني تستغني عن جهد وعرق عشرين عاملا، وتكتفي لتحريك أزرارها بعاملين. حتى في الجيوش والحروب ستقضي التقنية قريبا جدا على مصطلحات الكتائب والسرية والألوية. وحين سئل دونالد رامسفيلد، وزير الدفاع الأميركي السابق، عن قراره بتخفيض وجود جيشه في ألمانيا واليابان بمقدار الثلث أجاب فورا: لم نعد في عصر التقنية بحاجة إلى كتيبة من ألف جندي قدر حاجتنا لعشرة أفراد مؤهلين ومدربين جيدا على أزرار تقنية الأسلحة الذكية. وخذ في مثال المقاربة الأخير هذا الرقم من مذيع قناة "فوكس نيوز" البارحة: قبل 36 عاما احتاج المرشح الرئاسي، جيمي كارتر، إلى خدمات 75 ألف متطوع لتوصيل رسائل حملته يدويا إلى بيوت الأميركيين، واليوم يعمل أقل من مئة متطوع فقط خلف الأزرار في برج دونالد ترامب بنيويورك لنشر ذات الرسائل في أجزاء من الثانية.

الخلاصة أن التقنية لا تقتل فرص توليد الوظيفة، بل تأكلها سحقا مثل النار في الغابة الظامئة. ومن المؤكد تماما أن التقنية لن تكتفي بالسطو على وظائف البنك والشركة وأقسام الجوازات ودائرة المرور، بل ستذهب إلى ما هو أبعد: قريب جدا ستنهي التقنية فكرة المدرسة التقليدية التي تحتاج عشرين معلما لتدريس مئتي طفل، وستلتهم وظائف القسم الأكاديمي الجامعي الذي يحتاج لعشرة أساتذة لتدريس مادة المتطلب الجامعي. سيدخل عشرات آلاف طلابنا فصولهم الدراسية أمام شاشة موحدة يحاضر فيها أمهر معلم من بيته في الخبر أو حتى من فيلادلفيا الأميركية، وسيعتزل من هم على شاكلتي من أساتذة "الأسلوبية" في الجامعات تحت ضغط التقنية وخيار الأستاذ الجامعي الواحد. سيبقى للأذرع والأصابع فقط قطف حقول التين والزيتون وستأتيها التقنية فيما بعد وفي مرحلة لاحقة. والزبدة أن التقنية، ومثلما هي اليوم نعم الصديق ولكنها العدو الخفي، ستكون السبب الأول في إضافة كيلومترات طويلة جدا في طابور البطالة. أين نحن من الشراكة في الزحام على عسل هذا العدو؟ الجواب: دول بأكملها تقطف ثمار إنتاج هذه التقنية وتوظف فيها عشرات آلاف العقول، ودول أخرى اكتفت بدور المستورد الجاهز الذي لا يتقن منها سوى تحريك الأزرار النهائية في أفضل الأحوال والظروف.

*نقلاً عن "الوطن"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة