عاجل

البث المباشر

إحسان بوحليقة

<p>إحسان بوحليقة</p>

إحسان بوحليقة

مراجعة الدعم الحكومي وإعادة تسعير المنتجات

لنفرق بين الرسم، وهو ضريبة، وبين «الثمن» لخدمةٍ تقدم بمقابل. ولا مجال لتناول نظرية «الثمن» بأي تفصيل، لكن تكفي الإشارة إلى أن للسلع «تكلفة» و«قيمة» و«سعراً أو ثمناً»، وبالنسبة للسلع التي تُسَعرّ من قبل الجهات الرسمية، فهي تحدد ثمنها؛ هل تُقدم السلع بسعر دون التكلفة أم لا، لاعتبارات اجتماعية- اقتصادية. هذا العام، قررت الحكومة الموقرة، وفقاً لما ورد في بيان الميزانية العامة للعام المالي الحالي (2016م)، وضمن الجزء الذي تناول الإصلاحات الاقتصادية والمالية والهيكلية، إعادة النظر في أثمان السلع المُعانة، حيث ورد نصاً: «مراجعة وتقييم الدعم الحكومي، ويشمل ذلك تعديل منظومة دعم المنتجات البترولية والمياه والكهرباء وإعادة تسعيرها يراعى فيه التدرج في التنفيذ خلال الخمسة أعوام القادمة، بهدف تحقيق الكفاءة في استخدام الطاقة والمحافظة على الموارد الطبيعية ووقف الهدر والاستخدام غير الرشيد، والتقليل من الآثار السلبية على المواطنين متوسطي ومحدودي الدخل، وتنافسية قطاع الأعمال».

التوجه الآن هو السعي ليتحول اقتصادنا لاقتصاد منوع، يقوم على توليد القيمة من الأصول (النفط والموارد الطبيعية)، وليس من مجرد بيع الأصول (النفط والموارد الطبيعية). وعند الحديث عن الخصخصة، فلها صيغ كثيرة- كما نعلم- منها ما ينطوي على «بيع الأصول» للقطاع الخاص، وهذا يمثل ريعا للخزانة العامة لمرة واحدة لن تتكرر، وبالمقابل فهناك ضيع أخرى تقوم على المشاركة لتوليد قيمة مضافة. الآن نحن أمام جملة من المساعي المعلن حالياً: برنامج إعادة هيكلة الانفاق، الذي أعلن عنه ضمن الميزانية العامة 2016م، والإعلان عن طرح جزء من «أرامكو السعودية» طرحاً عاماً، والإعلان عن «الرؤية السعودية 2030» والإعلان عن «برنامج التحول الوطني 2020». وهي مساع متقاطعة مع بعضها البعض، لا شك.

ويتضح من مبادرات برنامج التحول الوطني أن الوزارات تسعى «للتخفف» من عدد من الوظائف والمهام التي ما فتأت تقوم بها لسنواتٍ طويلة، ليقوم بها القطاع الخاص نظير مقابل مالي. وفي نهاية المطاف سيدفع المستفيد مقابل الخدمة ثمناً. السؤال المطروح هو حول «مَنّ سيدفع ومقابل ماذا؟»، بمعنى أن الخزانة العامة تدفع حالياً لخدمات عدة يستفيد منها المواطنون، مثل الصحة؛ فأنت تذهب لمركز الرعاية الصحية وتحصل على الخدمة دون أن تدفع، وفي حال حولك المركز إلى المستشفى لمراجعة استشاري أو إجراء عملية، فأنت كذلك لا تدفع شيئاً. السؤال: كيف سيكون تأثير برنامج تحول الخدمات الصحية، فيما يتصل بالدفع؟ هل سيدفع المواطن نقداً أم سيستمر الوضع كما هو عليه الآن؟ وإن كان سيدفع فتحت أي ظرف؟ وكم سيدفع؟ لإزالة أي لبس، فالأسئلة ليست استنكارية، بل استفسارية؛ فالجميع يتحدث عن أشياء «جوهرية» ستحدث، وهذا لا بأس به، ولكن في نهاية المطاف لكل سلعة أو خدمة سعر، فكم سيكون السعر الجديد؟ وهل سيتحمل المريض كامل تكلفة الخدمة مضافاً لها أرباح مُقَدم الخدمة؟ أم أن الخزانة العامة ستتحمل جزءاً- كبُر أو صَغُر- وعلى المواطن المستفيد من الخدمة أن يتحمل الباقي؟ ولنستمر مع مثال الخدمات الصحية، ففي حال أن المواطن سيدفع، فهل سيدفع مقابل زيارة الطبيب؟ ثم مقابل التحاليل، ثم مقابل الأشعة؟ أم سيدفع مبلغاً مقطوعاً محدداً ثابتاً عند كل زيارة لمركز الرعاية الصحية، وبعد ذلك يتولى المركز ما يستوجب من علاج، بما في ذلك إجراء التحاليل والأشعات والعمليات، حسب الحاجة؟

أذكر أنني كنت في دبي مع الأسرة، وأصاب أحدنا تلبكاً معوياً حاداً، فذهبت إلى مركز الرعاية الصحية (مركز حكومي)، طلب مني موظف الاستقبال بطاقة الأحوال، وأن أدفع رسماً نقدياً. سألته: لم الرسم، ونحن من مواطني دول مجلس التعاون؟ فأجاب: ابنتك تستحق العلاج هنا، ولكن بما أنكم لستم مقيمين فلابد من دفع رسم، وأضاف: حتى من يأتي من إمارة أخرى للعلاج في دبي، سيدفع. بالفعل دفعت الرسم المطلوب، وكان زهيداً يقل عن مئة ريال، وفي المقابل حصلنا على استشارة طبية، وصرف العلاج، إضافة إلى أنهم وضعوا ابنتي تحت الملاحظة لمدة ساعتين لتأخذ محلولاً، في غرفة مجهزة تجهيزاً كاملاً، بعدها غادرنا المركز ونحن راضون، بالنظر لمستوى الخدمة المهنية الراقي الذي أحاطوا به ابنتي المريضة. وها أنا أتحدث عن التجربة بكل إيجابية رغم أني دفعت رسماً.

الوضع الآن، أن الخدمات ستسعر تسعيراً جديداً، السؤال: لم لم تصدر لائحة تبين ما الذي سيدفعه المواطن (والوافد المستحق للحصول على الخدمة) للحصول على الخدمات التي تقدمها الجهات الحكومية، سواء صحية أو غير صحية؟ ولا يشمل الحديث هنا الرسوم، فهي ضرائب تفرضها الدول سيادياً، وفقاً لتقديرها للمصلحة، بل الحديث ينصب على سعر الخدمات التي تقدمها الجهات الحكومية حالياً متحملة التكلفة لتقدمها للمواطن بسعر «صفر» أو بسعر يقل عن التكلفة، وهذا ما يسمى إجمالاً «الدعم الحكومي»، وقد أعلن منذ أشهر عن تعديل أسعار المحروقات والكهرباء والماء، وما زلنا أمام مجموعة كبيرة من الخدمات، أعلن عن جزء منها ضمن برنامج التحول الوطني كمبادرات للوزارات. النقطة الأساسية هي: قد يكون مفيداً النظر في كيف سيكون تأثير تعديل أسعار تلك الخدمات على المواطنين متوسطي ومحدودي الدخل؛ أي بكم ستزيد تكلفة المعيشة على تلك الأسر؟ وكيف سيكون تأثير تلك التعديلات مجتمعةً على مؤشر الأسعار؟ وكيف سيكون تأثير تلك التعديلات مجتمعة على تنافسية قطاع الأعمال؟ وبعد التعرف على الإجابة، اتخاذ إجراءات تكميلية مناسبة لاستيعاب التداعيات على متوسطي ومحدوي الدخل وتنافسية قطاع الأعمال.

*نقلاً عن "اليوم"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات