الشاشات أخفت عصر الوشوشة

عبد العزيز المحمد الذكير

عبد العزيز المحمد الذكير

نشر في: آخر تحديث:

أعتقد اننا كشرقيين لا يجب أن تنصبّ علينا كل الملامة إذا جعلنا من بطانتنا مستشارين، في أمور لا يفهمون بها. فمن القراءات نرى أن أغلب الأمم تفعل ذلك. ولربما ارتاح الحاكم إلى رأي واحد من الحاشية أكثر من راحته إلى رأي آخر.

وتحكي الأحاديث الساخرة أن أحد رؤساء الوزارة في فرنسا وظّف حلاقا ليقوم بحلاقة وتصفيف شعره، كعادة الأكابر من الرؤساء والحكّام.

كان ذاك الحلاق إلى جانب مهنته، بارعا في التحاليل السياسية والاستنتاجات الإستراتيجية، ويتبرّع بإعطاء رئيس الوزراء إيجازا عن كلّ ما يجري في بحور السياسة. وبدا أن الرئيس يرتاح إليه أكثر من فلسفة وزير خارجيته.

وذات يوم طلب الحلاق إجازة شهراً، فقال رئيس الوزراء لجهاز مكتبه: لا بأس أعطوه إجازة شهراً، وآتوني بوزير الخارجية ليحلق لي كل يوم..!.

ويظهر لي أن الغربة عن أحداث الزمن وترك التفاصيل لصغار المساعدين لم تكن ممارسة شرقية بل ربما جاءتنا من وراء البحار، واتخذناها قاعدة في الأفلام والمسرحيات العربية مثل "سوّاق الست" أو "فرّاش الوزير" أو أسماء مشابهة لهذا القول.

تقول بعض الكتب الساخرة ان زمن الحارس ولّى. وكان لحارس العمارة أو البوّاب دور هام في القرن الماضي، لكنهم كانوا بعيدين عن استغلال المعرفة، فالبواب لكثرة ما يتوفّر لديه من الوقت، كان قارئا من الدرجة الأولى. ويُسعدهُ الساكن الذي يبدأ معه حديثه الصباحي أو المسائي بالسؤال عن آخر نقد لمسرحية كذا، الجاري عرضها الآن، أو ما إذا كان الكاتب الروائي تشارلس ديكنز مُحقا في إنهاء روايته الفلانية بتلك المأساة، أو أن ويليام سومسيت موم قد قسا في بعض رواياته على المجتمع الحضري في لندن أو المجتمع السياسى في ويستمنستر، أو وجوب جعل لعبة الغولف متاحة لأبناء الطبقة العاملة.

ومرّ وقت على الجزيرة العربية كان من يستطيع فيه دخول مجلس الأكابر ووشوشة الجالس في أعلى المجلس، مع ابتسامة ولو صغيرة من الأخير، فسيكون ذلك الداخل مُبجلا عند البقيّة من الجالسين وأصحاب المصالح. وربما جاءتهُ عروض "مغرية" للواسطة عند الكبير، رغم كونه لا يملك حلولا أو مخارجَ أو فهما إعجازيّا.

أرى أن غربة الكبار في بعض الأحيان قد بدأت تختفي في الأعوام الأخيرة. والمسارات الإدارية صارت تتحدّث عن الأنظمة والمحاسبة والرصد والرقابة، وكل حراك أصبح معلوما ومكشوفا أمام كاميرات الجوال ورسائل التواصل الاجتماعي.

ودخلنا عصر الشاشات دون حاجة إلى الوشوشة.

*نقلاً عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.