للوطن... بعد «اليوم الوطني»

علي القاسمي

نشر في: آخر تحديث:

أكتب بعد يوم واحد من عبور اليوم الوطني، ومن أجل المواطنة الحقة لا تلك الترويجية الشكلية، لا عيب أن نعترف بأن ثمة مسافة ليست يسيرة نحو الفهم المعتدل لهذا الاحتفاء، وتعبيراً أعرج، وبما لا يعكس استيعابنا النموذجي لمفهوم «وطن». أكتب لأجل ألا يمر مثل هذا اليوم بفراغ تام على مستوى الصعد أو سيناريوات روتينية مكررة، على الأقل لنستوعب ولو موقتاً أن المواطنة الحقة الحالية «أن تثمن جهد من يقف على حدودك وتعرف حدودك».

المضي في الخطوات من دون حساب لجدواها ومدى تأثيرها في ذات الآخرين نوع من العبث، ومن أجل الوطن الذي نحبه حد الذوبان يلزم أن نتوقف عند اليوم الوطني، لا لعيون الذين ينادون بتغييبه أو تهميشه ويمررون بخبث السؤال: هل يجوز أم لا؟ فهؤلاء متلونون وتتغير آراؤهم بتغير المصالح، إنما لأجل حب حقيقي يثمر وينمو ولا يموت، وللمتلونين أهديهم نصاً مختصراً رائعاً يقول: «عندما تسمع من يقول سأضحي بوطني من أجل ديني، فاعلم أنه لم يفهم معنى الدين ولا معنى الوطن».

ما نحتاجه بالضبط مشروع حقيقي فعال لترسيخ مفهوم الوطن في الذهنية المتخلفة التي تتلقاه بالتشجيع والتصفيق والرقص والضجيج والخروج عن معايير الأدب وحدود الوعي. نريد أن نعالج بالفعل والقول قصر الرؤية الحالي والمنحصر في إطار «ماذا نفعل في اليوم الوطني»، إلى الإطار الأكثر عمقاً وجدوى على الأمد البعيد «ماذا يمكن أن يُحدث فينا اليوم الوطني»، التعامل مع اليوم الوطني كيوم إجازة رسمي فقط من دون تغير ملموس في الخريطة الذهنية وتحول مقروء في الواقع ليس إلا عودة للخلف وخروجاً عن المسار الذي من أجله رسمت فكرة التفعيل والأحياء.

كنا نكتب عن يومنا في ما مضى بشيء من البوح والتعبير الفاخر، إنما لم نعد في حاجة إلى ذلك بمقدار ما نحن في حاجة لإعادة صياغة مفهوم الحب، ونتجاوز في التعبير عنه حواجز الأغنيات والرقصات والقصائد الشعبية. أن يتكرر اليوم الوطني كل عام ويمر كمحطة استراحة ومحفوفاً بالتربص لفوضى الشوارع وتصرفات المراهقين يقودنا لأن نوزع فرحتنا به على العام وبلا إجازة وبالأفعال النموذجية المشرفة، لنتبنى مشروع توظيف في اليوم الوطني أو إبراز مواهب لافتة، لنعالج التعصب الرياضي بمباريات خيرية، لننقش في العقول والقلوب النصوص الفارهة من وزن «وطني وأقدس ما حقنت به دمي، مصلاً يقاوم خنجراً غداراً» و «الوطنية تعمل ولا تتكلم» و «خبز الوطن خير من كعك الغربة»، و «الوطن هو المكان الذي نحبه، والمكان الذي قد تغادره أقدامنا لكن قلوبنا تظل فيه، وأمة لا تعرف الوطنية لا تستحق الحياة»، وقد قلت: «وطنك.. حيث قلبك، وطنك لا بد أن يكون قريباً منك كلمسة خد، راسخاً كأصابع يد، عليك أن تخاف عليه لأنه يخاف عليك، وتعي بأمنه لأنه أمنك.. فوطنك أن تكون بخير»

*نقلاً عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.