متى يصير الترف علّة؟

عبد العزيز المحمد الذكير

نشر في: آخر تحديث:

يميل المرء في بلادنا إلى الانتفاع بكل شبر من الأرض التي يملكها، وذلك عند إنشاء مسكن له، ويقول: السعة مطلوبة، وتسيطر عليه تلك الفلسفة الإنشائية، ويتطلّع إلى التوسع في كل شيء، وخصوصا في تلك القطعة من الأرض التي قرر استعمالها كمسكن له ولأسرته.

تترافق هذه الرغبة مع حتمية معينة لا بد أن يحسب لها الانسان السعودي كل حساب. فالمنزل الذي مساحته أرض كبيرة، بملحقات وقبو ومسبح مغلق وبوابات متعددة، لابد أن تقوم حاجة إلى عمالة (وربما ماهرة) لتقويم هذا الإيوان الكسروي وإبعاد عوامل التعرية والاندثار لأصباغه (أصباغ المسكن) وواجهاته ونظافته ومتابعة وإرواء الزراعة. ونظافة الساحة الخارجية.

وجدنا أنفسنا في العقود الأخيرة نردد مثاليات وتنظيرات جاهزة ودعوات مدوّية تنادي بالتخلص من العمالة الأجنبية الوافدة.. والزائدة.

قيل لي إن رجلا عاديا، أيام اتساع الحال، صمم منزلهُ لكي تتسع ساحته الخارجية لأربعين سيارة أو نحوها لجعلها مواقف للضيوف والأقارب.. مصلّى عيد؟

لا شك أن ترفنا ذاك اهتز في أيامنا الأخيرة نتيجة إيقاعات لا حيلة لنا في ردها، أو التوافق معها، لأننا لم نحسب حسابها. رغبات لم تُفرض علينا لكن نتائجها فرضت نفسها. أصبحنا أسرى للترف والمباهاة السابقة.

وقولي الآن أننا لا يجب أن نلقي العبء والمسؤولية على الدولة وحدها. نلومها فقط لعدم أخذ الحسبان في إصدار وفرض تشريعات تجعل المجتمع يحس بما هو مُقبل عليه (تقليص ميزانية، تقشّف، استقطاعات نقدية، ترشيد، هبوط أسعار الطاقة إلى آخره) كل تلك لا يعلم عنها عامة الناس شيئا من قبل، وبنت الناس القصور والأبراج. تلك الأبراج، المكتبية منها بالذات، وكأننا أوجدناها لمنفعة شركات جاءت من الخارج لتستثمر عندنا، ولا يُعقل أن تكون ذات منفعة لمؤسسات سعودية ناشئة وصغيرة.

أصحاب تلك المنازل الخاصة غير قادرين على تسيير أحوالهم ذاتيا دون العمالة الوافدة، تلك العمالة التي لا يعود نفعها إلى الوطن بقدر ما هي لنفع صاحب العقار. أعني لو تعرّض نظام ذلك السكن الباذخ مثل التبريد والكهرباء إلى مفاجآت غير متوقعة، فمن أين له أن يتمتع بكامل ترفه دون كتيبة من العمالة الوافدة؟

وسمعت متعاملا في العقار يقول: تتزايد مخاوف الناس الآن من أن تلك المباني الكبيرة التي أحس أصحابها بأنها مصدر خسارة، وليست باب سعة وسعادة، قد لا تجد من يشتريها لو أراد أصحابها بيعها، والسبب هو صعوبة إدارتها بالطريقة المقبولة وأمام التقلبات المفاجئة في حسبان الضرورات.

* نقلاً عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.