دليلي احتار..

عبد الله بن بخيت

نشر في: آخر تحديث:

قيمة الذكرى أنها ذكرى. يجب ألا تحضر كل يوم. تحط في وجدانك في لحظة خاطفة ثم عليها أن تختفي. أن تسير في شارع بعيد عن ماضيك وأيامك. تشاهد إنسانا يشبه إنسانا أحببته في يوم من الأيام، أو تلتقي زميلا لم تره من أيام الدراسة الجامعية. الذكرى هي قيمة للغياب والتباعد وأيام عشتها ولن تعود ابدا.

كثير من زملاء العمل أو الدراسة أو أصدقاء الطفولة يعقدون جلسات شهرية أو كل ستة أشهر يلتقون فيها. يتبادلون النكت القديمة والقصص ويتذاكرون المواقف. يقاومون الزمن. لا يريدون أن تصبح حيواتهم ماضيا. حربا على التقادم، إذا تنامى المرء وكبر امامك لن ترى آثار الزمن عليه. مسافة الانقطاع هي التي تقرر حجم التغيير. المشكلة ليست في التغيير الشكلي. جوهر الإنسان يتغير مع الزمن. قد تلتقي ناصر بعد عشرين سنة. ذاك الشاب الأنيق والوسيم والمرح الذي زاملته أيام الثانوي. من اول كلمتين تتمنى أنك لم تلتقه.

لم يعد فيه من أشياء الشباب سوى ملامح بعيدة تؤكد لك ان هذا هو ناصر. تتركه وتمضي. تفكر فيه وتأسف لحاله. لا تسأل: ترى ما هو صورتك في مخيلته. ما مقدار التغير الذي اصابك في عيون الآخرين. نظن أن الآخرين تغيروا ولا نرى ذلك على انفسنا. نأسف على الآخرين ونحزن على حالهم. نهز اكتافنا بأسى ونردد مسكين ناصر. لعل ناصر قال نفس الشيء عنك: مسكين عبدالله. نتجاهل أن الشمس تدور على الجميع. لا نجرؤ على محاكمة أنفسنا لأننا نعيش التغيير كل صباح وكأنه لا يعنينا.

دخلت مكتبة في القاهرة. كان هذا قبل حوالي خمس عشرة سنة. كانت أيام السبعينيات والثمانينيات قد تباعدت وانضافت إلى ركام ذكريات الطفولة والصبا. تطور ذوقي في القراءة والأغاني والنظر إلى الجمال. اختفت أصوات فنانين من مخيلتي وحلت مكانها أصوات جديدة. اثناء تقليبي الكتب تناهى إلى سمعي صوت ام كلثوم. من اول نغمة لامستني عرفت انها أغنية (دليلي احتار). من يعلمني بأغاني ام كلثوم. كنت أحفظها أكثر مما أحفظ واجباتي المدرسية. توقفت عن تقليب الكتاب وأصخت السمع. شردت على الفور. لم ابق في القاهرة لحظة واحدة. انتقلت إلى كيلو ستة في رياض السبعينيات. كنا مجموعة من المراهقين في سيارة في طريقنا إلى قهوة من القهاوي المتراصة هناك. توقفنا عند بنشر على الطريق. مع اول كلمة قالتها أم كلثوم انكشف ذلك البنشر كأنه حضر أمامي في القاهرة. تذكرت ملامح راعي البنشر بوضوح وبتفاصيل روعتني دقتها. ارتفعت السنوات الطويلة التي تقع بيننا كستارة في مسرح. انكشفت أمامي تلك اللحظة التي اندمجت فيها صورة البنشر القبيحة مع الجمال المتدفق من راديو السيارة. تذكرت أنها المرة الأولى التي أسمع فيها أغنية دليلي احتار ونفس المقطع الذي يقول: (أقول امتى انا وانت حنتقابل مع الأيام...).

خرجت من المكتبة ممتلئا بحزن جميل. تراءت لي عظمة الموسيقى. أزالت قبح محل البنشر فعاد إلى وجداني شيء يستحق أن أحزن على فراقه..
*نقلاً عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.