مكة المكرمة قبلة وقدوة

أحمد الغز

نشر في: آخر تحديث:

مبادرة كيف نكون قدوة جديرة بالتأمل والتفكير في كلّ الأقطار العربية المستقرة والمتعثرة، لأنّها تأخذنا من البكاء على أنفسنا والتسليم بعجزنا، وتضعنا في مواجهة أنفسنا وتحدياتنا

منذ ثلاثة أسابيع تقريبا وأنا أتأمّل في ماهية السؤال الذي طرحته على نفسها إمارة مكة المكرمة وهو: كيف نكون قدوة؟ ولقد تسنّى لي أن أتشرّف بحضور مجلس الأمير خالد الفيصل، وتوقفت عند تلك النزعة القوية في تحدّي الذات في وقتٍ تشهد فيه الهوية الإسلامية والعربية حربَ إبادة قِيَميَّة ووجودية تستهدف الهوية الثقافية ووجودها البشري في آن.

لا أعتقد أنّ الذين يستهدفون هذه الأمة، من القوى الإقليمية والدولية ومعهم المنشقّون العرب، كانوا يتوقّعون أنّ هناك مجتمعا عربيا الآن يفكر كيف يكون قدوة، بل على العكس تماماً فإنهم يفكّرون كيف يقتسمون الشعوب والجغرافيا، وربما يتكرّمون علينا بتأمين بعض الخيم والمساعدات الغذائية، ويختصرون تاريخنا في النكبة والنكسة إلى الإبادة. وهكذا يريدوننا أن نفهم وجودنا، أما أن نكون قدوةً فهذا غير متوقّع لديهم.
"كيف نكون قدوةً؟" هذا السؤال يحتّم على كل من يتّخذ من مكّة المكرّمة قبلته الشريفة طرح ذات السؤال على نفسه. وإنه بدل الغضب والرفض والاعتراض عليه أن يقدّم نموذجاً رفيعاً لوجودنا الإنساني، أي أنّ المسألة ليست بالاعتراض على هذا أو ذاك أو هؤلاء وبأنهم لا يمثّلوننا ولا يعبّرون عنّا، بل علينا أن نكون ما يجب أن نكون عليه الآن، وأننا قادرون على نكون قدوة في كلّ مكان وزمان.

"كيف نكون قدوة؟" سؤالٌ يستهدف الصغار والكبار، علماء ومفكّرين وتجار، وأهل اختصاص وعمال، ونساء ورجال وشباب وأطفال. إنّه سؤال مفتوح على كلّ الإجابات، وليس سؤالاً مقفلاً تكون الإجابة عليه بنعم أو لا، لأن السؤال بكيف يستدعي عملا وتدبيرا وإنجازا، وهو السبيل إلى التقدم والازدهار والانتشار. وهو سؤال فيزيائي عملاني، أي افعل واقرأ واكتب واعمل وأبدع وأنجز. أعتقد أن مبادرة الأمير خالد الفيصل تشكل نمطاً استثنائيا في إعادة بناء الأمل لدى الأجيال الصاعدة وعدم الاكتفاء بما كنا عليه في مقدمة الشعوب.

"كيف تكون مكة المكرمة قبلة وقدوة؟" أي كيف تبقى منارة للتنوير والخير والسلام والعدل والتسامح والتنوع والوحدة الإنسانية والعلم والمعرفة؟ وهذا يستدعي أن تسأل النخب العربية نفسها أوّلا هل نحن قدوة؟ وثانياً كيف نكون قدوة؟ والنخب ليسوا جماعة من المثقفين إنّما هم كل من يجد نفسه محلّ قيادة أو ريادة، في الأعمال والاختصاص والعلوم والمهن والصناعة والفنون والآداب والتعليم والتربية في الأسرة والمدارس والسير على الطرقات.

أعترف أنني كنت سعيدا وفخورا بمعرفتي بالأمير خالد الفيصل منذ 17 عاماً، أي منذ إطلاق مبادرته بالدعوة إلى تأسيس مؤسسة الفكر العربي. لكنني أعترف بأنّ هذه السعادة تعني التعب الكثير، لأنّ سموّه لا يعرف الاستكانة والتسليم بواقع الحال مهما كان، فهو ينتقل من تحدّ إلى آخر دون توقّف أو استراحة. وما اهتمامه بالفكر العربي وتحدياته إلا دليل على ثقته بالإنسان العربي وقدرته على النهوض من كبوته وتعثّره وتأصيل وجوده بالمعاصرة والتفكير والابتكار والإبداع وتحدّي الذات، وآخرها كيف نكون قدوة ومنارة.

أعتقد أنّ مبادرة "كيف نكون قدوة" جديرة بالتأمل والتفكير في كلّ الأقطار العربية المستقرة والمتعثرة، لأنّها تأخذنا من البكاء على أنفسنا والتسليم بعجزنا وتفوقّهم علينا، وتضعنا في مواجهة أنفسنا وتحدياتنا وإحباطاتنا، لأنّنا ما لم نستعد الثقة بأنفسنا وطاقاتنا لن نستطيع الحفاظ على تاريخنا وتراثنا وقيمنا وأصالتنا وتحقيق تقدّمنا ونهوضنا. وهنا لا بدّ من الاعتراف لسمو الأمير خالد الفيصل بشجاعة الأمل والتحدّي الدائم للذات وتمسّكه بحلم أن تكون بلاده منارة.

نقلاً عن الوطن

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.