التقاعد خطوة مصيرية

إبراهيم محمد باداود

نشر في: آخر تحديث:

يتردَّد في الآونة الأخيرة سؤالٌ كبيرٌ على ألسنة العديد من الموظَّفين، سواء في القطاع الحكومي، أو الخاص وهو: هل من المناسب أن أتقاعد الآن؟ وبالرغم من أن الكثير يُردِّد هذا السؤال، فكثيرٌ من هؤلاء يتردَّد في الإجابة عليه؛ لأنَّه قرارُ مصيريٌّ، ومن المنحنيات الرئيسة في المسيرة العمليَّة للأفراد، وتكمن أسباب التردُّد في الخوف من الفراغ، وتقلُّص الرواتب التقاعديَّة، والتي قد لا تغطي الاحتياجات اليوميَّة، ممَّا قد يؤدِّي إلى تغيُّر نمط المعيشة، ويُقلِّص حجم الإنفاق، ممَّا قد ينعكس على وضعهم النفسيّ والاجتماعيّ، خصوصًا إن لم تكن هناك خطط مستقبليَّة واضحة لما بعد هذه المرحلة.
هذه الخطوة المصيريَّة للتقاعد المبكِّر، والتوقُّف الاختياري عن العمل قبل الوصول للسنِّ الطبيعيِّ للتقاعد، تأتي في بعض الأحيان لأسبابٍ عدَّةٍ، في مقدمتها الرغبة الجامحة للتخلُّص من ضغوط العمل، خصوصًا إن كانت بيئة العمل غير مريحة، ولا تُشجِّع على الاستمرار، أو تُحفِّز لمزيدٍ من الإنتاجيَّة، أو عدم وجود توافق بين الموظَّف والإدارة الحاليَّة، أو التفكير في تجربة العمل الخاص، والاستفادة من الخبرة العمليَّة والعلميَّة التي تمَّ اكتسابها بشكلٍ شخصيٍّ، لتأسيس نشاط، أو شركة، أو مكتب استشاري، أو الاتِّجاه إلى الراحة والاستجمام، والبُعد عن الضغوط العمليَّة والنفسيَّة، والسفر، واستثمار الوقت والمال والخبرة، خصوصًا وأن بعض مَن يسعون للتقاعد المُبكِّر يجد أنَّ العائد عليهم من الراتب بعد التقاعد لا يكاد يختلفُ كثيرًا عن الدخل الحالي، فيرى أنَّ كلَّ ذلك الجهد والضغط لا يستحقّ هذا الفرق في الدخل.
قرار التقاعد قرارٌ مصيريٌّ وهامٌّ، ولا يجب التسرُّع في اتخاذه، ومَن يُفكِّر في التقاعد بسبب الضغوط العمليَّة الحاليَّة أو بعض الشائعات، فعليه أن يتأكَّد أولاً من توفُّر الموارد الماليَّة لديه بعد التقاعد، وأن لا يتسرَّع ويترك عمله إلاَّ بعد التأكُّد من وجود موارد ماليَّة مختلفة تكفيه لسداد احتياجاته المعيشيَّة، كما يجب عليه أن يضع لنفسه خطة يشغل وقته من خلالها، وأن يكون لديه قائمة أعمال يُفكِّر في تحقيقها، وأن يُنسِّق بين ارتباطات أفراد أسرته وبين مرحلة تقاعده حتى لا يكون هناك تعارض خلال هذه المرحلة، قد تؤدِّي إلى مشكلات عائليَّة مستقبليَّة.
الاهتمام بالتقاعد من المجتمع، ومن مختلف الجهات الرسميَّة يجب أن يحظى بنفس الاهتمام بالتوظيف، إن لم يكن أكبر، فالمُتقدِّم للوظيفة قد لا يكون لديه عائلة، في حين أن المتقاعد لديه عائلة، وقراره لا يشمله فقط، بل ويتأثَّر به باقي أفراد عائلته، لذلك هو يحتاج إلى إرشاد وتوجيه ونُصح، كما يحتاج إلى خطط، بل في بعض الأحيان قد يحتاج إلى تأهيل ومشورة، وإلى مرحلة انتقالية، بحيث يحرص مَن ينوي التقاعد أن يستعد لهذه المرحلة المصيريَّة قبل عام، أو عامين من اتِّخاذ القرار بشأنها.

* نقلا عن "المدينة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.