عاجل

البث المباشر

مالك شبل.. في عمق إسلام الأنوار

ظل الباحث مالك شبل، الذي توفي مؤخراً في باريس، مصغياً لكل التحوُّلات الدولية والصراعات الثقافية التي ضيّقت من مفاهيم الهوية وتعبيراتها، في ظل أوضاع شديدة التعقيد تحكمها التطرفات المدمرة، شرقاً وغرباً. في سنوات قليلة، أصبح واحداً من أهم المنظرين لإسلام الأنوار، والمدافعين عنه. إسلام المحبة والحب والتسامح، والحياة والتعدد الثقافي، في عالم يسيطر عليه الاختزال والنماذج الجاهزة التي تميل نحو خطابات التخويف السهلة من المسلم. وكأن القرون من المحن التي عاشها المسلم مقاوماً الظلمة من أجل إخراج الإنسانية من خوفها وتأمينها، لم تنجب إلا المسوخ التي أدمت البشرية بتطرفها وجهلها وعنصريتها المقيتة، إذ جعلت من إبادة مَن يُخالفها شعارها الدائم، قبل أن تتحوَّل إلى إرهاب عابر للقارات. تناول مالك شبل الظاهرة ليس من بابها السياسي الاختزالي، لكن من بابها المعرفي والثقافي لاستقصاء جوهر الإسلام الإنساني الذي حمى الأقليات والمظلومين، وراهن على العلم، مرتبطاً بالمنجز العالمي والإنساني. يرفض مالك شبل الصور الإرهابية التي ألصقت بالإسلام اعتمادا على الإرهاب الذي لا يمكن رؤيته خارج الرهانات السياسية المحلية والجهوية والدولية. فهو صناعة سياسوية أخرجت الإسلام عن مداراته الطبيعية. هناك إسلام لا يُمكنه أن يُقهر، سار جنباً إلى جنب مع التطور والتحديث، والعدالة ورفع المظالم، وحق المرأة في التعلُّم والحياة الكريمة. ركزت جهود مالك شبل العلمية على الإسلام الحي الذي اعتمد العقل والعمل. فقام بعمل حفري يتجه نحو عمق الأشياء وعدم الاكتفاء بظاهرها، كما في بحثه الكبير: العبودية في أرض الإسلام، الذي أظهر فيه صورة الإسلام التحرري، كيف جاء بفعلٍ لم يسبق به، فمنح للمستعبَد فرصة أن يتمتع بالحرية والحق في الحياة كما الجميع. كما أنه توجَّه نحو الذين لا يعرفون عن الإسلام شيئا، ويريدون أن يتعرفوا على حضارة غيّرت وجه البشرية، فكتب دليلا ديداكتيكيا، سهل التناول سمّاه: الإسلام لغير العارفين. وضع فيه جوهر دين جاء ليُصْلِح الخلل البشري في الحكم والتعامل والحياة. ترجم القرآن إلى اللغة الفرنسية، بوصفه النص المرجعي المهم، المشبع بالقيم الإنسانية، ترجمة اعتمدت مسارين، انفتاح النص والتأويل الذي وسع من الرؤى التي وفرها النص القرآني، والخبرة الحياتية في مدينة الإسلام. استقبلت الترجمة بشكلٍ جيد، وطبعت مرات عديدة ومنها طبعة الجيب الشعبية. لم يقدم مالك شبل ترجمة القرآن منفصلة عن سياقات التاريخ الذي حدد التصرفات وتحكَّم في القوانين وفي معاني الآيات والسور. ربما كان كتابه: بيان من أجل إسلام الأنوار، واحداً من أهم منجزاته الفكرية. فقد جسَّد فيه رؤيته الفكرية للإسلام في عالم غربي مرتبط بالجاذبية ونقيضها بالنسبة للإسلام. كيف يمكن للإسلام أن يستوعب القيم الإنسانية الموجودة فيه، ويشيعها. لأن القيم الإنسانية التي تمس جوهر الإنسان لا يمكنها أن تتناقض مع ما يصبو الإسلام إلى تحقيقه. على المسلمين أن يعيدوا الاجتهاد إلى مسالكه الطبيعية ويتفاعلوا مع تحولات عصر يسير بسرعة. إسلام الأنوار يمر عبر قناتين، قناة المنجز الحضاري، وقناة الارتباط عضويا بالحاضر والمنجز الثقافي والعلمي والاجتماعي الإنساني. من هذا الجدل شاع مصطلح إسلام الإنوار المضاد لإسلام الظلام الذي تبنَّى الإرهاب والتقتيل. بيّن مالك شبل في مؤلفه: الإسلام والعقل وصراع الأفكار، القدرات الحجاجية عند المسلمين الأوائل والسلف العاقل التي لا تخاف من أي شيء. جهود مالك شبل تجلت أيضا في العمل الموسوعي الكبير الذي قام به. من ذلك أعماله المعروفة: القاموس الموسوعي للإسلام. معجم الحب في الإسلام. موسوعة الحب في الإسلام. القاموس العشقي في الإسلام. قاموس المصلحين المسلمين وغيرها من الموسوعات الكثيرة. ليس عبثا أن نقول إن خسارة مالك شبل كارثة، في زمن كم نحن في حاجة له ولمنجزه لمواجهة التطرفات والكليشيهات الجاهزة، التي تتسع كل يوم أكثر. ترجمة أعمال مالك شبل إلى اللغة العربية اليوم، أكثر من ضرورة.

* نقلا عن "المدينة"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات