شباب وسائل التواصل في غياب الفنون

نبيلة حسني محجوب

نشر في: آخر تحديث:

نشرت جريدة المدينة السبت 26/11/2016 تحقيقين في نفس الصفحة، الأول: « أفلام سعودية سينمائية تنافس العالمية في دبي 5» والثاني: « سذاجة مشاهير السوشال ميديا ... « للزميل فهد زيدان.
القضيتان مختلفتان من حيث الأدوات والوسائل والمنهج لكنهما تلتقيان في نقطة مهمة وهي الموهبة التي تبحث عن قناة تجري فيها كماء النهر، إن وقفت صخرة أمام تدفقه انعطف يبحث عن مجرى فإن لم يجد اندفع بقوة مصطدماً بالصخرة أو مغرقها.
هذا هو حال شبابنا عندما حرمت عليهم الحياة، ولم يجدوا مسرحاً مدرسياً ولا فرقاً شعبية ولا أكاديمية ولا حصة دراما ولا مكتبة حي ولا نادياً اجتماعياً يستوعب طاقاتهم ويحفز مواهبهم، انفتحت أمامهم مغارة علاء الدين عندما وجدوا بين أيديهم أجهزة هواتفهم تحقق لهم أحلامهم حتى لو كانت ساذجة لكنها بالنسبة لهم فرصة جاءت بين أيديهم لا تكلفهم مالاً بل ربما وفرت لهم المال طالما أصبح بعض رجال الأعمال يركضون خلفهم للإعلان عن أنشطتهم أو منتجاتهم مقابل القليل بدلاً من القنوات التلفزيونية التي يكلف الإعلان فيها عشرات الألوف من الريالات وربما يكلف الإعلان الملايين بين شركة الدعاية والإعلان والقناة التلفزيونية.
هناك إذاً رغبة في الظهور وحاجة إلى المال، دافعان مشروعان لشاب أو شابة، طالما أن لديهما الرغبة والحاجة والإمكانيات المتاحة التي وفرتها وسائل التواصل الاجتماعي وأحدثهم « سناب « بعد شباب اليوتيوب، لأنه لا يحتاج إلى إعداد وإخراج وأدوات أخرى، بالمحمول أنهي المهمة وأصبح في كل جهاز مشترك في سناب.
من نجح في الوصول إلى الشهرة عن طريق الموهبة الفنية وأصبح إعلامياً ناجحاً أو ممثلاً أو مخرجاً ومنتجاً، فوصوله اعتمد على طموحه والإمكانيات المتوفرة له بشكل شخصي عن طريق الدراسة والتخصص، دعم الأسرة لموهبته فلم تحصره في دراسة أو تخصص لا يرغبه؛ فنجح في الوصول بإبداعه الفني خارج الحدود والمشاركة بأفلام وثائقية أو قصيرة وروائية في مهرجانات مهمة كما عرضت بعض الأفلام في قاعات السينما في أمريكا وأوربا مثل فيلم « وجدة « شاهدته في باريس خلال عرضه في قاعة السينما التي امتلأت بالجمهور الفرنسي رأينا انطباع المتعة والانبهار بعد العرض على وجوههم وأصبحت أسماء نجوم الفيلم معروفة عالمياً بفضل الموهبة التي وجدت قناتها وتدفقت فيها، والآن نجد أسماء شباب وشابات نجحوا في وصول أفلامهم إلى مهرجان دبي السينمائي الخامس ومهرجانات أخرى مثل فيلم « بركة يقابل بركة « الذي سيمثل المملكة في أوسكار 2017م ولقي نجاحاً في مهرجان برلين الدولي، بينما لم يمنح ترخيصٌ بصفته عملاً سينمائياً بل بصفته مسلسلاً درامياً كما صرح الكاتب والمنتج الشاب محمود صباغ ورضي بنصف العمى ترخيص « مسلسل» لينافس العمل في مهرجانات سينمائية عالمية.
عندما يغلق طريق عام أمام المشاة يتسربون إلى الأزقة والشوارع الخلفية يبحثون من خلالها عن منفذ يبلغ بهم مقصدهم، هذا ما فعله بعض الشباب والشابات عندما لم يجدوا بيئة حاضنة لمواهبهم تدفقوا من خلال هذه الأجهزة الذكية للوصول إلى المال أو الشهرة أو كسر روتين الحياة اليومي الممل في غياب وسائل أخرى تستقطب طاقاتهم وتنمي مواهبهم وتوجهها التوجيه الصحيح لأن الموهبة تحدث توتراً في قلب الموهوب وعقله وكيانه كله كالبذرة في باطن الأرض تبحث عن طبقة قابلة لبرعم يتفتق، فإذا كانت البذرة في تربة غير صالحة للزراعة أو لم يتعهدها الزارع بالحرث والري نبتت في غير نظام وأحياناً نباتاً شيطانياً لديه القدرة على الالتفاف على السوق النضرة وخنقها.
للأسف تجتهد المؤسسات في وضع العقوبات قبل وضع آليات لإصلاح الخلل وعلاج المرض، أتفق مع كل من انتقد الفضائيات لأنها تصدت للتفاهة تغث بها مشاهديها عندما استضافت شباباً وشابات ليس لديهم أي قدر من الثقافة فقط لأنهم ولجوا هذا المجال المفتوح لكل من « هب ودب « ،جعلت منهم نجوماً.
في كلمة وزير الثقافة والإعلام معالي د. عادل الطريفي في حفل افتتاح مؤتمر الأدباء الخامس بالرياض الأحد 27 نوفمبر 2016م، بقعة ضوء آمل أن تتمدد لينحسر الظلام الذي جُذب إليه المحبطون، وكاد أن يمد جذوره ويستقر لولا بشرى اكتمال ( المجمع الملكي للفنون ) التي أعلنها معالي الوزير ومبادرات أخرى فنية وثقافية آمل أنها تحتضن المواهب وتفتح لهم القنوات التي تستوعب مواهبهم وطاقاتهم بدلاً من إهدارها في التفاهة والشهرة الزائفة عبر قنوات التواصل!

نقلاً عن "المدينة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.