الدعاة والتلفزيون

عبد الله بن بخيت

نشر في: آخر تحديث:

سعدت كما سعد كثير من أبناء هذه البلاد بصدور قرار يمنع خروج الدعاة على شاشات التلفزيون إلا بإذن رسمي من وزارة الشؤون الإسلامية.. لعل هذا القانون بداية لتنظيم شأن هذه الفئة الإعلامية ضمن نظام محدد وواضح.. مثلهم مثل غيرهم من أصحاب الأنشطة المتصلة بالجماهير.. الامتثال والخضوع لقانون واضح ومحدد يحمي المهنة ويطورها ويحد من سلبياتها.. يأتي هذا القرار بداية في مشوار طويل لتنظيم ما يعرف بالدعاة وعلاقتهم بالجماهير والأجهزة والوسائل التي تأخذهم إلى الجماهير كالوسائط الاجتماعية والإعلام والمحاضرات والزيارات التي يقومون بها للمناطق البعيدة عن الرقابة.

لم يعد الأمر يحتمل الانتظار، في الوقت الذي نطالب فيه وزارة الثقافة والسفارات السعودية في أنحاء العالم السعيَ إلى الدفاع عن صورة المملكة وتطويرها أمام العالم يستمر بعض الدعاة في إنتاج مواد تساهم في الإساءة لا لصورة المملكة فقط، وإنما لصورة الإسلام كدين سماوي وحضاري.. لا أحتاج أن أقدم لكم أمثلة.. أصبحنا كل صباح على موعد مع إساءة جديدة للمملكة كدولة إسلامية أو للإسلام نفسه.

أظن حان الوقت لبناء قانون شامل ينظم حركة هؤلاء الذين يتحدثون باسم الإسلام أو يستظلون بظله عند مخاطبة الناس أو يستخدمون الدين مرجعية مباشرة لآرائهم، أو حتى من يتخذ قيافة توحي بذلك.

لا أعرف كم عدد الدعاة ولكنهم بالآلاف.. تتراوح كفاءتهم بين المتعلم الجامعي والأمي والمفحط.. وظيفة من السهل جدا الانخراط فيها.. لا تتوفر جهة يقدم عليها الراغب أو جهة تمنح شهادة لممارستها ولا جهة تحاسب على الأخطاء الناتجة عنها.. هذا ما جعل المملكة عرضة لكثير من النقد الذي لا تستحقه.. لا يوجد وظيفة في العالم يغيب عنها التنظيم عدا وظيفة الداعية التي ينعدم فيها التنظيم ولا يتوفر لها أي وصف وظيفي يحدد طبيعتها ومسؤولياتها ومؤهلاتها.. إذا عرفنا أن وظيفة السباك ووظيفة المليص تتوفر على مثل هذا التوصيف للمسؤوليات فكيف نهمل وظيفة بهذه الخطورة. كلمة من داعية ساذج قد تؤدي إلى الزج بشباب أبرياء في الصراعات العالمية أو تسيء إلى سمعة البلاد.

يجب أولا حسم تعريف (من هو الداعية؟) هل هو جزء من الحركة الثقافية التي يتم من خلالها صناعة الرأي والفكر في الأمور التي لا علاقة لها بالدين بشكل مباشر.. مثل السياسة والأزمات الدولية والفكرية والأدب والبيئة.. الخ، أم أن وظيفته هي إضافة جديدة للوظائف التي عرفها المسلمون (المؤذن والإمام والعالم الفقيه؟).. ثم يطرح السؤال الأهم: هل الداعية يدعو للإسلام أم أنه يعظ المسلمين؟ فإذا كان يدعو للإسلام فلا كلمة ولا مكان له داخل المملكة؟ أما إذا كان يعظ فيجب أن يأخذ لقبه من وظيفته وأن يؤطره قانون واضح بالبقاء في مجال الوعظ، إبعاده نظاما عن الحديث في الشؤون السياسية والصراعات الدولية والفكر والأدب.. الخ، أن يقتصر كلامه على إعادة بث ما هو معروف وموثق ومدون من كلام علماء الفقه الإسلامي المعتمدين من علماء البلاد، دوره تبصير الناس بأمور دينهم التي قد يجهلونها أو ينسونها بحكم عدم الممارسة الدائمة كمناسك الحج.. أما إذا رغب أن يكون المرء داعية للإسلام في الأوساط غير الإسلامية فيجب أن يطور عمله ومهاراته بدورات محددة تأخذ اتجاهين؛ الأول معرفة أكاديمية بالإسلام وبدوره الحضاري وتاريخه.. والاتجاه الثاني المعرفة الواسعة بالحضارة الحديثة والشعوب وأن يلزم إجادة لغة أو لغتين أجنبيتين إجادة تامة.

لصيانة هذه الخطوة الصغيرة في هذا المشوار الطويل أرجو أن تكون وزارة الشؤون الإسلامية أكثر حزما في تطبيق هذا القرار من حزمها في تطبيق قرارتها المتصلة بمكبرات الصوت في المساجد.

*نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.