أين تقع الصين من حلب

عبد الله بن بخيت

نشر في: آخر تحديث:

عند حدوث صراعات كبرى أحاول أن أقرأ أكبر قدر من المقالات المتحاربة بشكل متواصل. كان آخر ما قرأت مقالات عن الأحداث التي جرت في شرق حلب. كثير من المراقبين يرون أن هذه الحرب ستترك اثراً كبيراً على تحولات الحروب الدائرة على الأرض السورية. مقال واحد فقط بقلم كاتب أجنبي استفدت منه. حاول مؤلفه أن يجمع حقائق ويبني عليها تصوراً عن المستقبل. كان اطلاعي على المقالات التي أنشئت بأقلام عربية مخيباً. شطر منها امتلأ بدموع الحزن والشطر الآخر أمتلأ بدموع الفرح مع حشد مكرر ومعاد بالإدانة والشتائم والاتهام بالمؤامرة يكيلها كل فريق للفريق المعادي. كلا الطرفين الباكي والفرح يتكلم عن التخوين والاتهام بالطائفية والإرهاب وأن الله معهم. كأنك تقرأ مقالاً واحداً بطريقة أملأ الفراغات التالية. بدل شيعي ضع سني وبدل نصر ضع هزيمة وبدل بوتين ضع أوباما. شطر يهلل لانتصاره على مؤامرات الغرب والآخر يبكي ساخطاً من هزيمته أمام مؤامرة الغرب. لا أحد من الكتاب المتشاتمين قال مرة واحدة إن الذي أمامه هو خصمه الحقيقي.

جاءت روسيا إلى سوريا بكل ثقلها العسكري والسياسي. حشدت قوة لا يمكن أن تحشدها إلا إذا كانت المسألة حياة أو موت. لم تترك في خزائنها العسكرية سوى القنابل النووية. في الوقت نفسه وقفت أميركا وأوروبا موقف المتفرج. ثمة شيء يهم روسيا لا أحد في الغرب يريد ان يقف أمامه. لا أظن أن الحلف الأطلسي مرعوب من روسيا. سأترك نظرية المؤامرة لمن يحتاجها وأنتقل إلى الموقف الصيني.

روسيا (صليبية) فهمنا! ما هو السبب الذي يدفع الصين إلى استخدام حق النقض في مجلس الأمن ضد الشعب السوري خمس مرات. الأحجية الأكبر أن الصين تستخدم حق الفيتو في الوقت الذي تعلم فيه أن روسيا سوف تستخدم حق الفيتو أيضاً. لماذا تعمد إلى استخدام حق الفيتو طالما ان (هدفها؟) سوف يتحقق دون خسارة من رصيدها مع الدول المساندة لصدور القرار. من الواضح أن في الأمر رسالة واسعة الدلالة. لم يلتفت أحد من كتابنا الأفاضل إلى هذه الرسالة. الموقف الصيني يشي أن الصين تريد ان تعلن موقفها بوضوح ليقرأه الجميع. وعلى استعداد ان تلقي بنفسها بكل القوة التي تملكها في هذه القضية. المسألة ليست مجرد تصويت. فيتو واحد يكفي لإسقاط أي قرار في مجلس الأمن. في كل مرة تستخدم الصين حق النقض إلى جانب الروس ضد الشعب السوري أهرع إلى كتابنا السياسيين فلا أجد ما يحلل الموقف الصيني ويخبرنا بعقلانية ومعلومات أين تقع مصالح هذه الدولة العظمى في القضية السورية. تجاهلنا الصين تماماً وكأن موقف الصين بحجم موقف جيبوتي. غياب التحليلات الواقعية يغذي نظرية المؤامرة. من السهل أن يقول دعاتنا الأفاضل على المنابر والبسطاء في مجالسهم أن هذا تحالف بين البوذيين والصليبيين والصهاينة والمجوس. إضافة البوذيين إلى القائمة لن تكلفهم شيئاً.

الموقف الصيني يقول لنا بوضوح أن ثمة صراع أوسع من الصراع القائم بين أبناء المنطقة. نحن مع الأسف غارقون في دموعنا وفي الشتائم المتبادلة وفي أفقنا الضيق ولكن من حسن حظنا أن وفر لنا الخيال نظرية المؤامرة للتفريج عن كربنا المستمر.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.