حتى تصل الجامعات إلى «القمة»

تغريد الطاسان

نشر في: آخر تحديث:

الجامعات التي ترغب في بلوغ القمة لا تعتبر نفسها مجرد مؤسسات تعليمية يستكمل فيها طالب الثانوية العامة تعليمه ليحصل على شهادة أكاديمية تساعده في العثور على وظيفة، بل ترى أن مهماتها مختلفة تماماً.

فالطالب العادي ليس من تبحث عنه، هي تريد أن تكتسب أفضل الطلاب، فالتنافس بل الصراع على أفضل العقول في العالم هو هدف هذه الجامعات، هي تريد الفوز بالشخص الذي يمتلك فكراً إبداعياً، لا يسير ضمن «القطيع»، بل يبحث دوماً عن طريق بديل ويفكر خارج الصندوق ويرفض وضع قيود على فكره وبحثه، لأن العالم لا يتقدم بمن يطبق إرشادات الاستعمال التي يتبعها الجيل تلو الآخر، بل من يفكر باستقلالية ويكتشف الجديد ويؤمن أن الفكرة المبتكرة مثل الريح تقدر على تحريك مئات الملايين من حبات الرمل وتغير مسار البشرية.

لكن هذا النوع من الطلاب لا يأتي إلى جامعة، لأنها تقدم له منحة دراسية، بل لأنها توفر له الأساتذة المبدعين القادرين على التعامل مع هؤلاء الطلاب، والذين يصلحون أن يكونوا مثلاً أعلى للباحثين الشباب، فيتقبلون الفكرة مهما بدت غريبة، ويرحبون بالرأي الآخر، حتى ولو كان يهدم آرائهم، وهذا الفكر غائب عن جامعاتنا للأسف!

في دول غربية رفيعة الشأن اكتشفت كثير من الجامعات أنها لا تحتل أي مكانة عالمية، على رغم جهودها الحثيثة للارتقاء بمستواها، وعلى رغم الموازنات الضخمة التي تضخها في المباني والمعامل والمكتبات والتقنيات الحديثة! وجدت أنها تمتلك كل شيء إلا الروح التي تجعل هذه المباني تنبض بالحياة، فأعلنت أنها ستعطي مديري الجامعات صلاحيات واسعة، تجعل الواحد منهم لا يتبع أي وزير تعليم عال، بل ولا أي حكومة محلية، وطلبت منهم الاستعانة بمجالس استشارية تساعدهم على وضع الخطط الطموحة، وتعينهم على إدخالها حيز الواقع، لكن تبين من خلال التجربة، أن التغيير لا يأتي من فوق إلى تحت، بل لا بد أن ينطلق من أسفل إلى أعلى، أو على الأدق من الوسط إلى أعلى، أي بمنح الأستاذ الجامعي الكثير من المرونة والقوة، التي تجعله ينقل هذه الروح إلى طلابه، وذلك في إطار من الحوكمة الرشيدة، التي تعني تطبيق مبدأ الشفافية والإفصاح عن المعلومات ووجود أسلوب مقنن لقياس الأداء ومحاسبة المسؤولين، واعتماد آليات مؤسساتية واضحة، واعتماد التخطيط الاستراتيجي والمرحلي والمتابعة، ومشاركة مختلف مكونات المؤسسة الجامعية في وضع السياسات وصناعة القرار.

قررت هذه الجامعات الراغبة في بلوغ القمة، أن تكون المهمة الكبرى لمدير الجامعة هي الحصول على أكبر قدر من التمويل من مختلف الجهات الحكومية والخاصة، الداخلية والخارجية، بشرط عدم ربط أي تمويل بقيود أكاديمية، أو بفرض أبحاث لا تدخل في اهتمامات الجامعة، أو التدخل في نتائج البحث العلمي لمصلحة الجهة التي تقوم بالتمويل.

وعندما تصل الجامعة إلى مكانة مرموقة علمياً وعملياً، لا يصبح من المستغرب أن تحصل على طلاب مستعدين لدفع رسوم دراسية باهظة، مثل الجامعات الأسترالية التي تطالب الدارس فيها برسوم قدرها 65 ألف دولار أسترالي سنوياً، وتكفي هذه الرسوم لتغطية 70 في المئة من موازنتها.

وتتبع هذه الجامعات مبدأ «الأفضل يجذب الأفضل»، فأحسن الأساتذة يجذبون أفضل الطلاب، والأستاذ القدير في تخصصه لا يخشى وجود طلاب أفذاذ يستفزونه بذكائهم وقدراتهم، بل يعتبر ذلك إثراء له وضماناً للحفاظ على المستوى الرفيع لمحاضراته، ولذلك ليس من المثير للاستغراب أن تبلغ موازنة جامعة زيوريخ السويسرية حوالى 1،38 بليون دولار سنوياً، في حين أن عدد طلابها يبلغ 26 ألف طالب وطالبة.

إن أقصر الطرق لكي تفقد الجامعة مكانتها هي أن توزع التقديرات المرتفعة على الجميع، بحيث لا تعكس التقديرات المستويات الحقيقية للطلاب، وعندها لا يأبه صاحب العمل بالتقدير المدون في الشهادة، وتصبح شهادة زور، بالمعنى الحرفي للكلمة، كذلك أن يكون الحضور والغياب عن المحاضرات سواء، وأن تلعب المحسوبية والواسطة دوراً في الحياة الأكاديمية، وأن تتضخم الهياكل الإدارية، حتى تصبح مشغولة بنفسها، من ترقيات وعلاوات وشكاوى وتحقيقات، وتنفصل عن الحياة الأكاديمية تماماً، ويصبح وجودها عالة على الجامعة. ونحن نستعد لـ2030 لا يجب أن تكون جامعاتنا خارج السباق، ولا نرضى أن الكل يتطور وجامعتنا مرهقة بفكر بيروقراطي يجعلها «للخلف در»!

*نقلاً عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.