الدرس الأول

عبد الله بن بخيت

نشر في: آخر تحديث:

من السمو لروحك ولتجربتك أن تعرض نفسك للسماع لألد أعداء قيمك. ما الذي يقوله الآخرون عنك. التحصين لا يتم بالعزل ولكن بتوسيع الأفق والانخراط في العالم. من يعزلك يريد أن يسيطر عليك ويستخدمك لنفوذه. من يقول لك إن هذه هي الحقيقة عليه أن يثق في حقيقته وأن يشجعك أن تختبرها بالحقائق التي يدعيها الآخرون.

ذهبنا إلى لندن صغار السن. خرجنا من الرياض بفكر واحد ونظرة واحدة وطريقة تفكير واحدة. إنتاج مطبعة واحدة بأسماء مختلفة. قبل أن يتوقف انبهارنا بلندن علمنا بركن الخطباء، زاوية في حديقة الهايدبارك يجتمع فيها من هب ودب من أصحاب الأفكار الفلسفية وغريبي الأطوار والمبشرين وأصحاب القضايا السياسية والمهرجين. تطبيق حرفي لقولنا (كل يدلي بدلوه). قال لنا الدليل السياحي في هذا الركن يستطيع المرء أن ينتقد ما يشاء من البشر والأفكار والسياسيين ولا استثناء حتى للملكة. وقفنا وأنصتنا. نفهم ما تتيحه لنا إنجليزيتنا الركيكة أن نفهمه.

وقف رجل من أصول هندية وأخذ يمجد في الاشتراكية كمشروع اقتصادي عالمي. كانت مقرونة في الأذهان بالشيوعية الملحدة. فجأة سمعنا صرخة آتية من آخر الصفوف. التفت الجميع. شاهدنا رجلا يحمل بين أصابعه غصن شجرة صغير وقال: أيها الخطيب من خلق هذا؟ ثم أفرج عن ابتسامة نصر لا يعرف أحد سببها سواه. ضحك الخطيب وطلب من الجمهور أن يلقي نظرة على الرجل ثم سأل: من أين السيد؟ فقال الرجل من السعودية. فصرخ الخطيب قائلا هؤلاء هم العرب لديهم أعدل قضية ولكنهم عاجزون عن إقناع العالم بعدالتها: أنا أتكلم عن نظام اقتصادي والرجل يسألني من خلق هذا. ثم أمطر العرب والمسلمين بوابل من التجريح.

كان الخطيب يتكلم عن نظام اقتصادي قابل للرفض والتطبيق والتهذيب والتطوير وصاحبنا السعودي بالإضافة إلى اعوجاج تفكيره وسذاجته كان غير مؤهل للحديث عن الاشتراكية أو الشيوعية ولا عن الإسلام وإنجليزيته لا تسمح له بالخوض في جدل حتى مع راعي بقالة. أتاح ساذجنا للخطيب الفرصة التي لا تعوض للتعبير عن كراهيته للعرب والمسلمين وسمح له أن ينتصر بالمجان.

كانت تلك الحادثة تجربة عظيمة. لم نشعر بكراهية للخطيب بقدر ما شعرنا بالاحتقار لذاك الرجل الملقوف. كلا الرجلين أعطانا درسا. علمنا الملقوف ألا نخوض في قضايا كبرى حتى نتمكن من تفاصيلها وأن نمتلك أدوات الجدل. علمنا الخطيب أن العالم ليس رأيا واحدا. كل حقيقة في هذا الوجود ثمة حقيقة أخرى تتحداها في مكان آخر. خطبته المعادية لم تمس إيماننا بل وضعتنا على طريق النضج.

*نقلاً عن صحيفة "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.