صور أبكتني

فهد عامر الأحمدي

نشر في: آخر تحديث:

هل تذكر آخر مرة دمعت فيها عيناك بسبب صورة مؤثرة؟

هل تذكر مثلا صورة الطفل السوري إيلان الملقى ميتا على شواطئ تركيا.. هل تذكر قبلها الطفل الفلسطيني محمد الدرة الذي علق بين رصاص القناصة ومات في حضن والده.. هل تذكر صور العائلات التي ماتت محتضنة بعضها بسبب الغازات الكيميائية في حلبجة الكردية أو إدلب السورية؟

صور كثيرة كهذه هزت ضمير العالم وغيرت الأحداث بطريقة لم تفعلها تصريحات السياسيين وقرارات الأمم المتحدة.

قبل اختراع الكاميرا (عام 1826) كان تاريخ الإنسان يكتب بالحروف أو يتم تناقله شفهيا.. لهذا السبب كان عرضة للتغيير والتشويه وصياغة المنتصر.. كنا نتلقاه بلا طعم؛ خاليا من العواطف والمشاعر وحس المشاركة.. ولكن دخول الصورة ملأ كل هذه الثغرات (كونها لا تكذب أولا، وتكسب تعاطفنا ثانيا).. فالصورة تكتسب قوتها من مصداقيتها ومباشرتها وسهولة استيعابها.. وتغليبنا نحن لحاسة المشاهدة على أي حاسة أخرى (فليس من شاهد كمن سمع).. وهذه الأيام لم تعد الصورة فقط "أقوى من ألف كلمة" بل أصبحت تتدفق علينا بمعدل 300 بليون لقطة تؤخذ سنويا بالهاتف الجوال وحده!!

قبل سنتين تقريبا زرت متحف الإعلام الدولي في واشنطن وخرجت منه بكتاب استثنائي يضم جميع الصور الصحفية الفائزة بجائزة البوليتزر.. وضعته في مكتبتي قرب كتب مشابهة تضم صورا انعطفت بالتاريخ، أو شكلت القرن العشرين، أو تحولت لأيقونات بشرية خالدة.

ومن الصور التي يصعب علي نسيانها (وسأضع أمام كل صورة كلمات مفتاحية كي تشاهدها بنفسك في الإنترنت):

•صورة لطفل نحيل يعاني من المجاعة ملقى على الأرض، وخلفه يقف نسر ينتظر وفاته لالتهامه (وابحث في جوجل عن: كيفن كارتر في جنوب السودان).


•صورة لطالب صيني مجهول يُوقف رتلا من دبابات الجيش بالوقوف أمامها دون حراك في بكين عام 1989 (وابحث في ويكيبيديا عن: رجل الدبابة).


•صور عظام وجماجم مدنيين كمبوديين أبادتهم ميليشيات الخمير الحمر بقيادة الزعيم الشيوعي بول بوت بين عامي 1975 و1979 (وابحث عن:Cambodian killing fields).


•صور تعذيب السجناء العراقيين والاعتداء الجنسي عليهم من قبل القوات الأميركية عام 2004 (وابحث عن: سجن أبو غريب).


•صورة لشبان أقباط يشكلون سياجا بشريا حول مسلمين يؤدون صلاة الجمعة في ساحة التحرير أثناء مظاهرات 2011 (وابحث عن: مسيحيين يحمون مسلمين يؤدون الصلاة).


•صورة تظهر آثار (خربشات بالأظافر) حفرها المعتقلون قبل حرقهم داخل غرف الإبادة أثناء الحكم النازي في ألمانيا (وابحث عن:scratches from the Holocaust).


•أما الصورة التي جعلت الأميركان يطالبون بانسحاب قواتهم من فيتنام؛ فكانت عن أطفال فيتناميين يركضون برعب بعد احتراق أجسادهم بقنابل النابالم الأميركية (وشاهد kim phuc video).


•أما آخر الصور المؤلمة فصورة لطفل لم يتجاوز الثالثة من عمره وجد مكفيا على وجهه على شواطئ تركيا بعد غرق مركب يقل لاجئين سوريين (وابحث عن: إيلان كردي).


.. لا أخفي عليكم؛ أبكتني هذه الصور مجددا، وأتعبني هذا المقال أكثر من غيره.. وإن دمعت عيناك مثلي فهذا دليل على مصداقية الصورة وقوة تأثيرها وأن تاريخنا سيكتب (هذه المرة) بوسيلة يصعب تزويرها.

*نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.