هل تغيرت ثقافة الموت؟

هيا عبد العزيز المنيع

نشر في: آخر تحديث:

مع تعمق وسائل التواصل الاجتماعي في محيطنا الإنساني واتساع استخداماتها بين كافة شرائح المجتمع، باختلاف الأعمار ومستوى الثقافة والتعليم والإمكانيات الاقتصادية والتعليم والوعي؛ مع هذا الانتشار وسهولة الاستخدام وإتاحته بأقل التكاليف وفي كل الأوقات نجد تحولات سريعة في محتوى ثقافتنا الاجتماعية وموجهات السلوك وردود الأفعال الاجتماعية، المؤكد أن كثيراً من ثقافتنا الاجتماعية تغيرت، والمؤكد أن كثيراً من الممنوع والمحظور تم الإفراج عنه، بل إن من حرم التصوير باتت صوره تنافس صور نجوم السينما ونجوم الرياضة، ومن كانت أصواتهن عورة أصبحن نجوم السناب شات واليوتيوب..، التغير سنة الحياة الطبيعية، والتغيير أحد أدوات التقدم الرئيسة.

ولكن من تلك التغيرات نجد ثقافة جديدة للموت والتعاطي معه، فالتعبير عن الألم وقسوة الفقد لم تعد بنفس العمق ونفس الألم وأخشى العتب وإلا لقلت والصدق..؟ لن أشارك أصحاب فلسفة التشاؤم نظرتهم للإنسان وغياب المشاعر والعلاقات الدافئة بين البشر، فعندي قناعة أن مشاعر الحب جزء من مكونات المخلوقات الحية عموما، بل إنها جزء من ديمومتها، ولكن الملاحظ على المشهد العام وليس المحلي فقط أن التعاطي مع الموت بات شكلا من أشكال تقديم الذات وإبراز الاسم، أصبح بعض التعبير وردود الأفعال صناعة في بناء الصورة الذهنية عن هذا أو ذاك أو تلك..، هل هي العقلانية المطلقة التي تحرك هؤلاء، أم أن وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الإعلامية الحرة والمرنة كشفت حقيقة النفوس، وأتاحت لقناصي الفرص صناعة مواقفهم في كل الحالات دون وهن وحزن أو وجل من رائحة الموتى ووقار صمت القبور..

الحزن حالة داخلية تختلف من إنسان لآخر ومن موقف لآخر، نتيجة الموقف أو تراكم المواقف، ولكنه لم يكن في يوم من الأيام صناعة وبناء مصالح، لم يكن جزءاً من استثمار، كان وهذا قدره جزء من تعبير ومن حالة إنسانية يعيشها الإنسان دون رغبة منه ولكنها مشيئة الله...

ويبقى الموت بكل أشكاله وأسبابه أقوى معاول الألم التي تنخر وجدان الإنسان، خاصة عندما يكون قريبا منك بحكم صلة الدم أو الرحم أو العلاقات الإنسانية الاختيارية وعلى رأسها الصداقة؛ بل حتى الزمالة النبيلة تترك في نفسك الكثير من الود والحب...

لا أقف كثيراً عند تلك الشابة الصغيرة التي لم تنس وضع بعض لمسات التجميل حول عينيها أو فوق شفتيها وهي تتلقى العزاء في قريب..، ولا ذلك الشاب الذي اختار أفضل صورة ليتكلم عن ألمه في وفاة عزيز لديه عبر حسابه في تويتر أو وهو يقف معبرا عن حزنه في سناب شات..، ولن أقف أمام المشهد العام في طروحات المتعاطفين مع بعض الرموز أو النجوم في حال موت عزيز لديهم لأنها تثير التعاطف بطبيعة الحال دون أن يتغلغل الحزن في وجدان الجميع..، ولكن أقف استغراباً في تحول مشهد الحزن عند المقربين إلى نوع من الاستثمار في آلامهم وحزنهم لاستكمال صناعة النموذج الاجتماعي أو الثقافي الذي يسعى لتحقيقه بكل الطرق وإن كان موت عزيز عليه واحداً من تلك الطرق.

*نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.