هل أصحاب العمل على حق بتسريح المواطن قبل الوافد؟

صالح السلطان

نشر في: آخر تحديث:

أمهد بنقطتين منهجيتين. الأولى أن تقييم مواد في نظام العمل خارج موضوع المقال. خلاف أن حيز المكان والزمان لا يسمح. ومع الأسف، يلاحظ الخروج عن الموضوع وتشعب الحديث في كثير من نقاشاتنا. النقطة الثانية أرجو أن يفهم جيدا أن المقال ليس تعبيرا عن رأي شخصي، بل تطبيق لما تقوله نظرية اقتصاد الإنتاج أو المنشآت.
مع أخبار تقليص بعض المنشآت لعدد موظفيها تبعا للأوضاع الاقتصادية التي لا تخفى على أحد، عجبت كثيرا من استغراب عدد مما يسمى بالاقتصاديين الذين يفترض أنهم على دراية جيدة بمبادئ الاقتصاد، استغرابهم من سلوك القطاع الخاص في تفضيلهم لإنهاء خدمات السعوديين أكثر من الوافدين. هذا التفضيل هو المتوقع وفق المنطق الاقتصادي عامة ووفق نظرية الإنتاج خاصة التي تدرس في مبادئ الاقتصاد الجزئي، التي يفترض أن يلم بها كل دارس للاقتصاد. ويتكرر هذا الاستعجاب ليس في موضوعنا فقط، بل أراه في مناقشة قضايا اقتصادية كثيرة. كيف تخفى على هؤلاء مبادئ العلم والتخصص الذي ينسبون أنفسهم إليه؟ طبعا نتعاطف مع من يصيبهم الضرر، لكن التعاطف شيء وفهم الموضوع ومناقشته بعلمية شيء آخر.
بعض المبادئ الاقتصادية تفسر ما نراه واقعا أن طلب المنشآت على اليد العاملة غير السعودية أقوى من طلبها على اليد العاملة السعودية، طبعا تحت الأنظمة السائدة من عمل وإقامة وتوابعهما. والكلام على الوضع العام أو الغالب وليس على كل فرد وحالة. ولولا وجود ضغط حكومي على المنشآت لتوظيف سعوديين لرأينا أن توظيف سعوديين أسوأ من الوضع الحالي السيئ أصلا. ماذا يعني ذلك في حالة التسريح أي الاستغناء عن الخدمة؟ بالمنطق لابد أن يحدث العكس، لأن الاستغناء عكس الطلب. أي أن إنهاء خدمة السعودي مقدم على إنهاء خدمة غير السعودي.
السؤال التالي لماذا؟ "القصد من وجهة اقتصادية فقط".
سأذكر مبدأين اقتصاديين أساسيين يشرحان ويبنيان أساس تصرفات البشر وتصرفات المنشآت في معاشهم وتحصيل أرزاقهم في أي مجتمع أو دولة في العالم.
1. الرغبات ليس لها حدود ولكن الموارد لها حدود.
2. البحث عن المصلحة: المستهلك أو المشتري أو الموظف يسعى إلى تعظيم منفعته، طبعا حسب تقديره للمنفعة. والمنتج أو التاجر يسعى إلى تعظيم سوقه وأرباحه طبعا حسب رأيه وتقديره كيف يزيد أرباحه أو يقلل خسائره.
السؤال الجوهري الآن: لماذا يجد صاحب المنشأة أن بقاء موظفه غير السعودي في العادة أنسب لمصلحته "أعني صاحب المنشأة" من السعودي؟ الأسباب عديدة:
1. سياسات السعودة والتوطين حديثة عهد، بينما اعتمادنا على الوافدين له عشرات السنين. ولذا فالمتوقع أن غير السعودي أكثر خبرة وإلماما بطبيعة العمل. وتبعا لذلك، يضر انقطاعه عن العمل بصاحب العمل أكثر من انقطاع السعودي.
2. أجور أغلبية "وليس كل" الوافدين من رواتب وبدلات ومصروفات سكن وسفر من وإلى بلادهم عادة ليست أكثر من راتب وبدلات السعودي، لأنهم عادة من بلدان ذات دخل منخفض كثيرا مقارنة ببلادنا.
3. راتب أو مستحقات الوافد تبلغ في العادة أضعاف ما يحصل عليه في بلده. وهذا يجعله يتفانى في سبيل الاحتفاظ بوظيفته.
4. التفاني السابق يزداد شدة مع طبيعة نظام الإقامة. تلك الطبيعة تمنع أو تقيد الوافد في حرية تغيير العمل المسماة في أدبيات اقتصاد العمل labor mobility، ومن ثم فآلية سوق العمل معطلة. وهو وضع لا ينطبق على السعودي. ارتفاع دخل الوافد "مقارنة ببلده" ومنعه أو تقييد حريته في تغيير صاحب العمل يجعلان العامل الوافد أكثر خضوعا لصاحب العمل، مقارنة بالسعودي. هذه نقطة مهمة جدا.
5. والنتيجة أن تزيد انضباطية وإنتاجية أو أداء الوافد. لذا ليس من الغريب أن نجد هذا الانضباط والإنتاجية في جنسيات وافدين لم يعرف عنهم في بلادهم أنهم شعوب ذوو انضباطية وإنتاجية عالية.
6. بالمقابل، يعرف صاحب العمل أن احتمال انقطاع أو تغيب السعودي أو إهماله أو رفضه العمل في أوقات حرجة أعلى مقارنة بالوافد.
7. لو رغب السعودي في ترك وظيفته في منشأة "خاصة الصغيرة" بعد أن عرف أسرار العمل ورغب في فتح منشأة منافسة لأمكنه ذلك بسهولة نسبية. أما غير السعودي، فهو، على سبيل المثال، لا يمكنه فتح محل بنفسه. ولهذه النقطة أهمية كبيرة عند كثير من أصحاب المنشآت، خاصة الصغيرة.

ما الحل؟
أقوى حافز لتوظيف السعوديين في القطاع الخاص هو تقليل ميزة توظيف غير السعودي. وأقوى وسيلة في نظري الإلغاء التدريجي لما يسمى بالكفالة، ووضع نظام بديل أساسه تفعيل آلية السوق. وطبعا يتطلب البديل تفاصيل وضوابط كثيرة جدا.
إن صعب أو ثقل الإلغاء، فأرى حلا أساسه ركنان: 1 - جعل حد أدنى للأجور يطبق حتى على العامل غير السعودي و2 - تعديل نظام الإقامة بما يسمح للوافد بحرية تغيير صاحب العمل بعد مضي كذا سنة "مثلا أربع سنوات" لدى صاحب عمل. بهذا تقل كثيرا ميزة توظيف غير السعودي. وإذا طبق نظام كهذا، فيجب أن يتبع ذلك "وفقا لترتيبات مدروسة جيدا" خفض شديد في عدد التأشيرات الصادرة سنويا، مثلا إلى قرابة ربع ما يصدر حاليا. بحيث يتركز اعتماد المنشآت والأعمال على التوظيف من الداخل، وليس الاستقدام. طبعا كلامي لا علاقة له بتأشيرات الأفراد.
نلحظ فشلا أو ضعفا واضحا في أثر الحلول والسياسات السابقة والقائمة. ذلك لأنها كلها قامت وتقوم على تجاهل تام لآلية السوق، ما أوجد مشكلات صعب جدا السيطرة عليها.

*نقلاً عن "الاقتصادية"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.