عاجل

البث المباشر

جائزة "تينت" ثابت في وجه متغير "جاستا"

منتصف 1999م دلف الأمير محمد بن نايف إلى العمل الحكومي مساعدا لوالده، رحمه الله. عمل بصمت على البنية التحتية للأمن؛ كما ونوعا، هادفا إلى تعزيز المؤسسة. أتمتة الترشيح والقبول في كلية الملك فهد الأمنية كانت أول مخرجات الصمت، وبذلك ضمن دخول الأجدر لقطاع الأمن الداخلي، هذا التطور النوعي انعكس على المخرجات لاحقا.

وبالتوازي مع الدعم الكمي الذي طال التجهيزات والمواقع، جرى تحديث غير منظور يجعل التعليم والتدريب القانوني مكونا أساسا في برامج تأهيل الضباط والأفراد، ففي فلسفة سموه يكون الأمن أكثر فعالية عندما يحافظ على الحقوق النظامية للمواطن والمقيم. شجع الأمير الابتعاث الأمني إلى أميركا بهدف إثراء التجربة المحلية بالمعارف والخبرة العالمية. كما وجّه بتطوير برامج داخل كلية الملك فهد الأمنية تشرف عليها جامعات أميركية عالمية متخصصة في الدراسات الأمنية. إنه استعداد لحماية الوطن إنسانا ومقدسات ومنجزات، بشكل حضاري لا ينتهك حقوق الإنسان الأساسية، ويستجيب لما يطرأ على أدوات الجريمة من تطور سريع.

أحداث 11 سبتمبر 2001م لم تربك الأمن السعودي فقد كان مطمئنا إلى سلامة إجراءاته الوقائية وحزمه في مواجهة الإرهاب داخليا، ومشاركة الدول الشقيقة والصديقة ما لديه من معلومات. عدم التصرف تحت وطأة الإلحاح والإثارة الإعلامية جعل من المملكة بيت خبرة في التعامل مع الإرهاب الذي دشن عصرا من الخوف وعدم اليقين. وعلى عكس بعض الدول، وازنت التجربة السعودية بين الحزم والمرونة لتقدم أنموذجا سعوديا يحول بين الإرهابي وادعاء البطولة. لقد كانت الأجهزة الأمنية تناجز المسلحين في الشوارع، وكان سموه يطيّب خواطر الأسر المفجوعة في أبنائها العاقين، والمكلومة في أمن وطنها الذي تنتهكه زمرة خارجة عن طاعة ربها ووالديها قبل خروجها على الدولة.

الأمن السعودي جزء من نسيج المجتمع، ولذلك فإنه لم يخرج في معالجاته الأمنية عن السياقات المألوفة في بلد متدين بطبعه، ومحافظ مجتمعيا، وحتى عندما استغلت المرأة في الإرهاب إما بحضورها او استعارة هيئتها لم تُسجل حادثة واحدة أهينت فيها امرأة من قبل رجال الأمن، وعلى النقيض كانت بلدان متقدمة تطرح المرأة أرضا في المطارات لمجرد اشتباه في سلك معدني في جسمها أو ملابسها.

لم يصدر عن القيادة الأمنية أو رجال الأمن ما يمس الدين أو يتعدى على ثوابت المجتمع. ومع ذلك فقد كان لا بد من ترشيد الخطاب المتشنج واستئصال نداءات الكراهية وتعزيز الوسطية والاعتدال. وأُحكمت إجراءات تدفق الأموال وشددت القبضة على التبرعات بحيث لا يتم إلا بطريقة تضمن تتبع المصدر والمورد، وهو تقدم لم يتحقق بنفس المستوى في بلد آخر غير المملكة.

لقد قدمت المملكة للعالم إستراتيجية الحزم المرن، والمركز الدولي لمكافحة الإرهاب، والخطاب الديني المعتدل من الحرمين الشريفين في وجه فتاوى وخطابات متطرفة تصدر عمن لا ولاية له على المسلمين. لقد نجحت المملكة بعد خمس سنوات فقط من أحداث 11 سبتمبر 2001م في إحباط مؤامرة إيران وتنظيم القاعدة، واستعادت ثقة الأميركيين الذين استقبلوا خلال عشر سنوات ما يزيد على مئة وخمسين ألف شاب سعودي، أي 10000 شاب سعودي متحضر في مقابل كل سعودي شارك في تلك الجريمة الإرهابية. وهذا دليل على عمق العلاقات الإستراتيجية التي تستعصي على الاختراق وإن انتابها بعض الوهن أحيانا.

عندما يُمنح سمو ولي العهد وزير الداخلية رئيس مجلس الشؤون السياسية والأمنية الأمير محمد بن نايف ميدالية جورج تينت من وكالة المخابرات الأميركية فإن ذلك يُعد اعترافا من أكبر وأشهر جهاز أمني ومعلوماتي بالمستوى المهني الذي وصلت إليه المملكة في مكافحة الإرهاب وقاية ومواجهة ومعالجة للآثار. إن هذه التكريم هو دليل براءة بيد المملكة تقدمه لأي قاض في أي محكمة أميركية نائية أمام مزاعم يدفع بها قانون "جاستا" إذا قدر له الحياة.

* نقلا عن "الرياض"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات