عاجل

البث المباشر

المدينة عاصمة السياحة الإسلامية

أقيم الاحتفال بالمدينة المنورة عاصمة للسياحة الإسلامية، وحق لها أن تكون"عاصمة"، فإن للمدينة المنورة موقعًا خاصًا في قلوب المسلمين قبل أي موقع أو لقبٍ، قد تصنف فيه، تعظيمًا وتقديرًا، وتذكيرًا بمكانتها المستحقة بين سائر المدن والعواصم الإسلامية بل والعالمية، كيف لا؟! وهي البقعة التي قصدها خير رسل الله صلى الله عليه وآله هو وأصحابه، وجعلوها وجهة رحلتهم الشاقة، التي رصدها القرآن الكريم، وصور تفاصيلها في آياتٍ لا يألو قارئها جهدًا في تخيل تلك المواقف التي واجهت رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه أثناء هجرتهم إلى هذه المدينة التاريخية!

وبعد أن حطوا رحالهم في المدينة وكانت تسمى "يثرب"، بدأ التاريخ يتحول فكان في المقدمة إلباسها اسمًا يليق بها عاصمةً للمسلمين، والذي كان اسمًا مختارًا من قبله صلى الله عليه وآله، ثم ينزل القرآن مثبتّا لهذه التسمية (المدينة) في عدة مواضع.

بدأت قصة المدينة بتوافد المهاجرين والقاصدين لها من كل أرجاء الأرض، ليشكل سكانها؛ اللاحقون والسابقون (المهاجرون والأنصار) مجتمعًا نقيًا متماسكًا، تخلى عن ضلالات الجاهلية، وسلك طريقًا حضاريًا مدنيًا، يتوافق تمامًا مع تركيبة المجتمع المدني، الذي وجد في المدينة نقطة الانطلاق إلى حياة إنسانية مستقرة، يقودها "الطيب" صلى الله عليه وآله في "طيبة الطيبة".

وقد يكون حديثي هنا مزدوجًا، ومستوعبًا -قدر الاستطاعة- للمكان والحدث، فالحدث هو السياحة في الإسلام عمومًا، وقد تطرقنا لذلك في مقال سابق، ونعني بها غير تلك السياحة في عرف الجاهلية، والتي ترتكز على تعذيب النفس في الأسفار والرحلات كعبادة مقصودة لذاتها، وإنما نعني سياحة من جنس التفكر في الأرض، وطلب المعرفة، والوقوف على آثار تُشوّق زائريها لتلك الحقبة التي كانت فيها تلك الآثار مَعلمًا حيًّا، وملتقىً فعّالاً ونشطًا، دونت فيه الأحداث، كنقاط تحول في تاريخ البشرية، وفي قول الله: "التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ" قال القاسم: "هم السائرون الذاهبون في الديار لأجل الوقوف على الآثار، توصلا للعظة بها والاعتبار ولغيرها من الفوائد".

وأحق ما ينبغي لنا التعرف عليه، والوقوف على آثاره، هي تلك البقع والأماكن التي وقف فيها رسول الله صلى الله عليه وآله ناصرًا للإسلام داعيًا إلى الفضيلة.

ففي المدينة "أحد" قال فيه صلى الله عليه وآله "يحبنا ونحبه".

وفي المدينة "المسجد النبوي" وهو عماد نيتنا في شد الرحال إلى المدينة، ففي الحديث (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد...) وذكر منها مسجده صلى الله عليه وآله، وفي المسجد معالم وآثار تسجم العيون دموعها لحظة التفكر فيها، ففيه الحجرات، وفيه الروضة، وبين تلك وهذه تردد صلى الله عليه وآله سنين عددا.

وفي المدينة مسجد "قباء" كان يرتاده كل سبت، فالصلاة فيه إن قصدها المتطهر كان كأجر عمرة.

وفي المدينة "مسجد القبلتين" يجد الناظر فيه تأويلًا حيّا لقول الله تعالى "فول وجهك شطر المسجد الحرام".

ومهما يكن الحديث عن تلك البقاع والأماكن فلن يوفيها حقها، فقد بقيت راسخة وثابتة مع تعاقب الأجيال وتغير المجتمعات، إلا أن ذلك المجتمع الذي كان له السبق في تأسيس هذا المَعْلَم، يبقى المجتمع الأمثل في تاريخ الأمة، وتبقى مقبرة البقيع التي ضم ترابها أكثر الصحابة، شاهدة على حبهم وصدق انتمائهم لهذا الدين.

وفي المدينة يرقد أبوبكر وعمر رضي الله عنهما رقدة المؤمن البرزخية بجوار خير الخلق صلى الله عليه وآله، في قبور جاورت المسجد، وأدخلت في بنائه، وتصاحبت كصحبتهم في الدنيا، ولهذا وغير ذلك مما فات الخاطر، يحق للسائح إلى المدينة أن يتمثل ساجمًا دموعه:

أتيتك زائرًا وودت أنّي

جعلت سواد عيني أمتطيهِ

ومالي لا أسير على المآقي

إلى بلدٍ رسول الله فيهِ

نقلاً عن الرياض

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات