نحتاج لخطاب سياسي وإعلامي ذكي وتفاعلي وعصري في الداخل والخارج في السلم وفي المواجهات

فوزية عبد الله أبو خالد

نشر في: آخر تحديث:

كلمة أولى

لقد كتب أ. خالد المالك كلمة مكللة بالشجن والأمل معًا في حق مدينة البطولات ومدينة ما قبل التاريخ، مدينة الأحقاف (نجران)، وإن كنت لا أستطيع أن أستطرد في تناول تلك السلسلة من المقالات التوثيقية لزيارة الحد الجنوبي؛ لأنني ببساطة وصراحة ما زلت مستغضبة ومتسائلة ومجروحة: لماذا لم يبُح لي أحد بالسر؟ ولماذا ذهبوا ولم يعطوني الخيار «لأخاويهم» للأرض التي أعشق, الأرض التي تقف شامخة بشهدائها وجيشها وسكانها ووطنيتها؛ لتدفع غائلة العدوان عن كل مواطن منا؟

سؤال ليس سياسيًّا..

أتساءل في نفسي: إلى متى ستستمر الحرب على الحد الجنوبي؟ ومتى تتحقق غاية الغايات من هذه الحرب بالذات، وهي صناعة السلام لوطننا وللجار الذي استجار بنا من قوى تستقوي عليه بتحريض خارجي وبقوى خارجية، متمثلة في الحضور الانعزالي الطائفي لدولة إيران الإسلامية الإثوقراطية بجانب الحوثي والمخلوع؟

أحاول أن أذهب للنوم؛ فغدًا يوم حافل بالعمل ومسؤولية الأمهات التي لا تنتهي, ولكن ضميري لا ينام ولا يكف عن وخزي بالأسئلة من ذلك النوع الذي لا يحتمل التأجيل، ومنها على وجه التحديد هذا السؤال:

إلى متى نتعامل بالصمت الإعلامي والتستر على جراح جبهة الحد الجنوبي في هذه الحرب التي يراد لها من قِبل مَن يسعدهم استمرارها، ويعملون ميدانيًّا وإعلاميًّا على إشعال نيرانها ومدها بالوقود الطائفي والقبلي وكل أنواع الانشقاقات لإطالة أمدها، ولتحويلها إلى حرب استنزاف طويلة مضنية ممضة نهاشة للشباب وللصبر وللإيرادات؟!

أولاً, السؤال الإعلامي السياسي على الجبهة الداخلية

قبل أيام وأنا أقرأ عن الانشغال المجتمعي المشتعل على مواقع التواصل الاجتماعي وعبر منابر الإعلام الجديد والتقليدي معًا بكل ما لذ وطاب من أنواع المهاترات السطحية عن الترفيه، تلك الحاجة الإنسانية البسيطة بتحويلها إلى جبهة للاحتراب.. كنت أسأل: هل يعلم هؤلاء بمعنى أن تكون البلاد على جبهة حرب وإن بدت الحرب بعيدة عن المدن الرئيسة؟ فنجران ليست في بلاد (واق الواق)، والحد الجنوبي هو في موقع الخاصرة والرئة والكبد والمرارة والبنكرياس.. فكيف تطيب لنا حياة موازية أو مجاورة أو سادرة، لا تدري بما يجري على جبهة حرب في مواجهة عدو مركب، فيما يفترض أن الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعت له بقية الأعضاء بالحمى والسهر.. وبالاكتراث، أو على الأقل بعدم الوقوع في شباك استهلاك القوى المادية والعقلية والمعنوية في جدل بيزنطي، يعمق الفجوة بين المجتمع وجبهة الحرب التي ينام على شفاها وفي مرماها فلذات الأكباد باذلين أرواحهم من صغار الجنود إلى قيادات وضباط جيشنا الباسل, التي ذهب ضحيتها عدد لا يستهان بها من شهداء الوطن.

ولا أملك إلا أن يخنقني السؤال مرات ومرات حين أقرأ ذلك الدفاع المستميت عن هوامير العقار والخسارات المحتملة لملاك الشبوك من ضريبة الأراضي البيضاء، أو عن التباكي على بدلات الوظائف الكبيرة، ولا نلوم البكاء الحقيقي المكتوم عادة من المكتوين الصغار, فأتساءل عن مدى استيعابنا لجدية وحدة ومسؤولية أن تكون البلاد في قيادة تحالف عربي لحرب على معتدٍ مستعد لحرق بلاد الجار عن بكرة أبيها بكل أطياف الشعب اليمني الأبي بأطفاله ونسائه، بمعماره التاريخي وبسكانه الذين صار أكثر من نصفهم يبيتون في العراء، ويتحولون إلى لقمة سائغة، تعلج أجسادها الضامرة وأرواحها المحاصرة أضراس الحرب ومخالب الفقر وأظلاف الأمراض المعدية التي عادت لليمن بعد انقراضها من العالم، كالكوليرا والجدري والطاعون والجذام.. فأي ضمير يمكن أن يلهو أو ينام؟ لو علمنا بالشواهد والأرقام، ووعينا ميدانيًّا وعقليًّا حقًّا، وليس بتبسيط الأمر وكأنه برمته لا يعنينا, بأن الهدف من إشعال الحرب في اليمن من قبل القوات الحوثية المدعومة إيرانيًّا ليس تعز أو صنعاء وحدهما، مثلما أن هدف المليشيات الإيرانية من التدخل في بلاد الشام ليس مجرد سوريا أو لبنان, بل الهدف السيطرة الإقليمية على المنطقة من قِبل دولة إيران، أو في أسوأ سيناريو تقاسم السلطة عليها مع آخرين من اللاعبين الإقليميين والدوليين المؤثرين, بما يجعل استهداف الحد الجنوبي هو اختراق بلاد المملكة العربية السعودية - لا قدرهم الله - بالنيل منها عسكريًّا أو بجعلها رهينة حرب استنزاف، لا تُبقي ولا تذر.

أما السؤال الأول الذي آمل من أعماقي أن يحمل محمل الجد من قِبل الدولة ومن قِبل وزارة الدفاع تحديدًا، ومن قِبل كل القوى الوطنية بمختلف مواقع عملها، ومن كل الشرفاء الحاملين أمانة الكلمة على عاتقهم أيًّا كانت منابرهم، هو: لماذا لا يكون هناك وعي إعلامي وسياسي صريح بما يجري على أرض الوطن، ليس لترعيب الناس بل لمشورة الناس، ولوضعهم في قلب الحدث، ولتحميلهم المسؤولية كشركاء وطنيين فيما تواجهه البلاد من توق إلى السلام أمام حرب يريد أعداؤنا فيها - ونعني بالاسم إيران أولاً - أن تستنزف آخر ريال في خزانة الدولة، وآخر هللة في جيب المواطن، وآخر ابن من حماة الوطن لا سمح الله.

ثانيًا: السؤال الإعلامي

السياسي الخارجي

والسؤال الآخر الذي لا يقل أهمية، ولا خير فينا أن لم نسأله، هو: لماذا لا يكون لدينا إعلام خارجي فصيح صريح شفيف، يعرف لمن يتوجه من الدول ومن المنظمات الدولية والحقوقية والمدنية عبر العالم وعبر منابر الإعلام العالمي، وليس فقط عبر قناة العربية أو عبر صحافتنا المحلية والناطق العسكري والمتحدث الرسمي في اللقاءات الصحفية الروتينية المفلترة وغير المصاغة باللغة التي يتطلبها العصر والموقف؟.. كما أن السؤال: لماذا لا نخلق إعلامًا مدربًا، يعرف كيف يتحدث بلغة عالمية سليمة، وبعقلانية، ومن موقع قوة المنطق والإقناع، لا من موقع الدفاع ولا التبرير أو تصنع البراءة في عالم لا يمكن أن نصل إليه إلا بصوت الأرقام، ولن يفهمنا إلا إذا تكلمنا بأبجدية الوقائع الميدانية والبرهان العقلي؟

وهذا القول ليس بحال من الأحوال انتقادًا لأي شخصيات تقدم مجهودًا جادًّا في مجال إعلام الحرب على الحد الجنوبي المعني بها هذا المقال, ولكنه بالتأكيد نقد لخطابنا الإعلامي فيما يخص مواجهة الجبهة الجنوبية في الداخل والخارج.

فنحن بحاجة على مستوى الداخل إلى رفع مستوى الخطاب الإعلامي دربة وشفافية, ميدانيًّا وفكريًّا، بما يرقى لمستوى المسؤولية والشراكة الوطنية المطلوبة لكسب هذه الحرب، ولوقف حالة الاستنزاف، والوصول للسلام المنشود وللجوار السلمي يمنيًّا وإيرانيًّا.

كما أنه لا شك عندي - ولا عندي ما أخفيه - بأن هذا المقال يروم أيضًا تحفيز إن لم يكن خلق خطاب إعلامي أكثر عنفوانًا ومصداقية، يتوجه للخارج بما يخص الموقف في هذه الحرب تحديدًا، وبما يخص قضايانا عمومًا، بما يخلق جبهة إعلامية ذكية ونشطة وعصرية.. فلا يمكن أن تلقى كامل المسؤولية «إعلاميًّا» في التعبير عن الموقف السعودي, فيما يخص موضوع مواجهة الحد الجنوبي وسيامي الحرب المتعلقين والمتحالفين (إيران وحوثي اليمن), على وزير الخارجية وحده، ولا على رئيس الوفد السعودي الدائم بالأمم المتحدة وحده، بل إن حيوية الخطاب الملحوظ والملموس في المحافل الدولية الذي تميز به كل منهما في المواجهة الخارجية بما يخص هذه القضية وسواها يشكل مثالاً على نوع الدربة ونوع اللغة ونوع الخطاب الإعلامي العصري التفاعلي الذي نحتاج إلى أن يمثلنا في الخارج مع الجهات الدولية الحكومية ومع الجهات المدنية والمنظمات الحقوقية ودوائر صنع القرار المؤثرة في دولها ومجتمعاتها عمومًا، وبما يخص العمل معنا على وقف هذه الحرب، وانتشال اليمن والعالم العربي عمومًا من التسلط الإيراني الطائفي، ومن عموم الصراع الإقليمي والدولي على المنطقة.

أخيرًا وليس آخرًا، يبقى ليعلم من يعنيه الأمر أن فينا ولدينا القدرة والخبرة والاستعداد والمعرفة الكيفية والكمية للتصدي في وقت الحرب ولتمثيل البلاد في وقت السلام بثقافة وإعلام عاشق للوطن، شغوف بالشفافية، قادر على تقديم خطاب إعلامي وسياسي عصري ذكي, يحمل بصمات صوتنا وصوت ضميرنا الوطني غير المستتر.

نقلاً عن الجزيرة

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.