لماذا نعاني «فجوة» عاطفية؟

هيفاء صفوق

نشر في: آخر تحديث:

نعيش في عالم مرئي من مواقف وتجارب وأشخاص يمرون في حياتنا، يكوّنون معنا أسرة وعائلة، أو مجموعة من الأصدقاء، أو مجموعة من الزملاء، حياة إنسانية كاملة، وندرك أيضاً أن الحياة تحوي كل شيء، جمالاً وقبحاً، ونوراً وظلاماً، وفرحاً وحزناً. سلسلة لا متناهية من عالم سريع الحركة والنمو والتطور المتشابه منه والنقيض عنه، لكنهم في الأخير مكملو بعض. وهناك عالم غير مرئي، ونقصد به الشعور والعواطف المخزونة في أنفسنا والأفكار والاعتقادات في عقولنا جميعها تشكل «سيمفونية» عجيبة.

الحياة العصرية أهملت كثيراً الجانب العاطفي والمشاعري وركزت على المادي، فاختل التوازن المطلوب، جميعنا يعلم أن هناك قوانين كونية تحكم هذا الكون الفسيح، ولا بد من التوازن في كل أركانه وجوانبه وزواياه، الخلل فيه يصنع فجوة روحية ومشاعرية ومادية أيضاً.

العلاقات الإنسانية تمر بمرحلة متوترة جداً، حال من القلق والترقب، وكثير من الغضب والانفعال من دون وعي، والسبب الحقيقي لهذا الغضب والانفعال الذي يأتي أحياناً في غير موضعه هو جهلنا في عدم معرفة ذواتنا من الداخل، وماذا نريد حقيقة، أو كيف نسعد أنفسنا، أو بسبب عدم التعبير عن مشاعرنا بصراحة، وللأسف بعد موجة الغضب يأتي شعور الندم والتأسف، لكن بعد فوات الأوان، إذ ينتج منه العديد من الخلافات والمشكلات التي تدوم طويلاً.

هؤلاء لا يعبّرون بما تجول به أنفسهم، فيقمعون هذه المشاعر السلبية داخلهم، ما يصنع فجوة مشاعرية داخلية تبعدهم عمن حولهم بتدرج من دون أن ينتبهوا لذلك، من هنا نجد الانفصال العاطفي بين الأزواج، أو انتهاء صداقات لها عمر طويل، أو قطيعة أهل، أو عزلة اختيارية.

مشكلتنا عدم الموضوعية في تأمل حقيقة ذواتنا من الداخل، ماذا نريد، وكيف نصنع السعادة لأنفسنا، فكم من العلاقات نشأت لهدف سامٍ وراقٍ، ولكنها لم تلبث حتى هوت وانزوت في جانب ومسار مختلف عن هدفها الأساس.

الفرد الواعي هو الذي يدرك ماذا يريد في هذه الحياة، وليس ما يريده الآخرون، بل من تلقاء نفسه يعرف ماذا يريد أن يحقق من السعادة أو النجاح أو راحة البال من دون الاعتماد على الشريك أو الطرف الآخر، عندما نصل إلى هذه النقطة الجوهرية العميقة جداً في تحملنا مسؤولية إسعاد أنفسنا بأنفسنا، وبناء الداخل ببناء قوي واعٍ يستطيع أن يتفرد ويعيش استقلالية كاملة معنوياً ونفسياً ومادياً، هنا عندما يتعرض لمواقف محبطة أو علاقات فاشلة لا يُسقط على الآخرين، بل يدرك تماماً ما عليه فعله من دون إحباط أو يأس أو تذمر من الدنيا. هؤلاء الواعون يستطيعون بناء أنفسهم من جديد مهما مرّوا بظروف قاسية، لأنهم أدركوا في حقيقتهم الداخلية أن الآخرين مكملون لهم، بينهم تكون الحياة بالمشاركة والتفاعل والتواصل، لكن ليس هم كل شيء، أي لم يكن هناك تعلق مرضي أو اتكالية عمياء.

الفرد الواعي الذي يدرك أن الحياة لا تقبل الضعيف ولا المنهزم ولا من يتخذ دور الضحية، ومن يفعل ذلك سيكون في نية الآخرين يفعلون به ما يشاءون.

الوعي يصنع فرداً ناضجاً مستقلاً مسؤولاً عن إسعاد ذاته وصنع الظروف التي تتناسب مع ما يؤمن به، ليس فقط على الصعيد المادي، بل على الصعيد العاطفي والمشاعري في هذا العالم غير المرئي، الذي يؤثر في حياته بنسبة كبيرة جداً.

بعض العلاقات تنهار، لأنها لا تملك أساساً قوياً داخلها، بناؤها ضعيف هزيل، تستمد قوتها وحياتها فقط من حياة الآخرين، وعندما لا تجد يد العون أو المساندة تنهار وتنتهي حياتها بمأساة نفسية أو عاطفية، والبعض يحاول قمع المشاعر وتجاهلها، بل يعد التعبير عن العواطف أو المشاعر للزوج أو للصديق أو للزميل أو الابن ضعفاً أو شيئاً غير مهم، وهذا من الأخطاء المدمرة، المفترض أن نعبّر عن عواطفنا في كلا الحالين، حال الفرح والحب نعبّر ونشعر الطرف الآخر، وحال الغضب نعبّر ونتحدث بصراحة، لكيلا تتراكم هذه المشاعر السلبية داخلنا، ثم فجأة يأتي يوم من دون سابق إنذار ننفجر ونثور على أتفه الأسباب.

إذاً، نحتاج إلى الصراحة لمعرفة أنفسنا جيداً وماذا نريد، ونعرف كيف نبني سعادتنا بالاعتماد على ذواتنا، وندرك أهمية الآخرين في حياتنا كوننا شركاء وليس فقط صانعي السعادة لنا، وأن نعبّر عن مشاعرنا ولا نراكمها ونتجاهلها، وأن نتحمل مسؤوليتنا كاملة ولا نسقطها على الآخرين أو الظروف، فالحياة الجميلة نحن من نصنعها.

نقلاً عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.