عاجل

البث المباشر

عبدالرحمن السلطان

<p>كاتب سعودي</p>

كاتب سعودي

مغالطة قناص "تكساس"

تقول الطرفة إن مزارعاً من "تكساس" الأميركية اعتاد إطلاق أعيرة نارية متفرقة على حائط حظيرته، ثم رَسم هدفاً على المساحة التي احتوت أكبر عدد من الطلقات المسددة، ليدعي أنه قناصٌ ماهر! بالتأكيد أن هذا المزارع المخادع ليس قناصاً، لكن هذا بالتحديد ما نقوم به حينما نقع في فخ المغالطة المنطقية التي اشتق اسمها من المزارع "التكساساوي".

في مغالطة قناص "تكساس" نقوم بانتقاء البيانات التي تعزز حُجتنا، ونتجاهل بحر البيانات التي لا تدعمها! مثل حينما نربط بين ارتفاع استهلاك الوقود في المملكة بحجة أن الشباب يمثلون الشريحة الكبرى، وهم من يقوم السيارات بسبب فراغهم، ونتجاهل رخص تكلفة الوقود، أو غياب وسائل المواصلات العامة. وغالباً ما تنشأ المغالطة من توفر بيانات ضخمة تحت التصرف، لكن المرء ينزع للتركيز على مجموعة فردية من تلك البيانات، ويحاول إيجاد قاسم أو رابط مشترك بينها، مما يوقعه في الفخ.

قد تؤدي مغالطة القناص إلى الوقوع في "الاستسقاط"، أي محاولة ربط عدة أحداث أو أشياء منفصلة لا رابط يجمعها لتحميلها معنىً جديداً ليس من أصل تلك الأحداث، لإضفاء مصداقية الصبغة العلمية عليها، مثلما يحدث حين البحث عن أنماط للطبيعة العشوائية في القمار، أو الظواهر الخارقة، أو حتى قراءة الفنجان والأبراج، بالطبع كل هذا يرتبط بما يطلق عليه: "الوهم المتكتل" حيث نميل نحن في إداركنا البشري لتفسير أنماط لا وجود لها في الواقع، وبالتأكيد إحدى أهم وسائل ذلك هي مغالطة القناص، حين نبتكر تفسيراً بما نراه من تشابهات في الحقائق والمعطيات، ونتجاهل الاختلافات والارتباطات الأخرى، مما يؤدي بالنهاية إلى استنتاجٍ خاطئ.

يمكن أن تنشأ المغالطة -أيضاً- بسبب غياب وجود فرضية مسبقة قبل جمع البيانات، أو بسبب صياغة الفرضية بناءً على مجموعة صغيرة منتقاه من البيانات، لكن الأسوأ مما سبق هو أن تكون الفرضية محددة مسبقاً، ونقوم بالبحث عما يؤكد الحجة مهما كانت البيانات قليلة أو غير معتبرة، مثل افتراض تفضيل فاكهة ما بسبب توفرها المتواصل، بينما قد يكون سعرها الرخيص أو تأخر فسادها هو السبب! أو المثال الأشهر تفسير نبوءات المنجم الفرنسي "نوستراداموس" بطريقة تدعم تنبؤها بالأحداث المعاصرة بعد حدوثها، وليس قبل حدوثها!

تجاوز مغالطة قناص "تكساس" يبدأ بالنظرة الشاملة لكافة العوامل المؤثرة، وعدم اختزالها بما يوافق هوى الحُجة، ثم تقييم ثِقلها وارتباطها بالحجة أو تأثيرها السببي، حتماً سوف تصل إلى استنتاج منطقي ومقبول.

* نقلاً عن "الرياض"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات