عاجل

البث المباشر

اجلس حيث ينتهي بك المجلس

تطغى على عاداتنا الاجتماعية ظاهرة حب التمسك بالبروز، أو المنصب الرسمي حتى داخل الأروقة الاجتماعية، ويصدمني بعض الأشخاص في إصرارهم على الذهاب إلى قمة المجلس، حتى وهو يحضر للعزاء في متوفى.

ولا يخلو مجتمعنا من أناس لازمهم التواضع ولازموه، وتجذر ذاك في أعماق سلوكهم الاجتماعي، فوجدناهم يحاولون تحقيق السلوك العربي والإسلامي القائل:اجلس حيث ينتهي بك المجلس.

البعض يركض إلى أعلى المجلس ويجلس -ربما- في "حضن" أو في "حجر" أحد الذين سبقوهم إلى المجلس. وصنّف أحد ذوي عادات الستقبال من المتندرين هؤلاء بقوله: هؤلاء أصحاب الحجر! أي أولئك الذين يزاحمون غيرهم للحصول على مقعد في أعلى المجلس حتى لو زاحم من سبقه.

من الذين أعرفهم ويعرفهم غيري في التواضع، والتصرّف الحضاري، من تسنموا مراكز كبيرة في الإدارة والعلم، ومع ذلك لا يحاولون إشعار الناس بإعلان وجودهم، وهذا شيء نفخر به، وندعو الله أن يكثر من أمثالهم.

ولعل غيري يوافقني إذا قلت إن إدمان حب الظهور في مجتمعنا العربي خاصة، نحن أوجدناه، ويهون الأمر إذا كان المضيّف أو صاحب المنزل هو الذي بادر إلى دعوة القادم إلى مقعد متقدم. لكن الذي يحدث أن الجالسين "يقفزون" ويتبارون لتقديم من هو أكبر مرتبة حتى ولو كان أصغر سنّا.. هذا إذا كان أكبر مرتبة، وأكثر مالا، وأعز نفرا.

وأزعم، بل أصر على أن التصرفات التي اعتدنا عليها هي تسويق للمذلة وليس احتراما لمركز القادم.

القادم المتحضر لا يرى في إذلال الغير معزة، خصوصا إذا كان السابق في الجلوس أكبر سناً، أو علماً، أو أدباً من القادم الجديد.

في المجتمعات المتحضرة لا يكفي أن يروق لك الكرسي لتجلس عليه، بل لابد أم يؤشّر المضيّف وبيده اليمنى على المقعد ويُسمعك كلمة "تفضل" أو "استرح". وفي رأيي أن هذا ما تعلمناه في الابتدائية من عبارة "اجلس حيث ينتهي بك المجلس".

قد يتضح لنا أن تلك الظاهرة لم تكن حديثة، ولا وليدة المراكز، والمال، فقد صورها شاعر قديم بقوله:

يا ديرتي جتْها تصاريف الأيام

واصبح بها العيّار يِقْضى لزومه

وتمضي القصيدة لتقول:

تنْصبْ له الرايات من فوق الأعلام

كنّ الجماعه عازمينٍ حكومه.

والأولى والأتم أن يستمر التقدير لكبار السن، وطلبة العلم الأفاضل المتصفين بالعفة والنزاهة، حتى ولو لم يملكوا أرصدة مال وجاهاً.

*نقلاً عن "الرياض"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة