عاجل

البث المباشر

شاشات الصداع النصفي

لم يكن هذا المربع الكتابي والمتمدد لظروف محيطة إلى شكل المستطيل مناسباً للمشي في دهاليز شأن ثري خاص بصفحاته وأهله، إنما توقفت لساعة جبرية ولمحض المصادفة في مقهى أنيق الإطلالة لولا تسيد القنوات الرياضية فيه للجو العام، وللخيبة المصاحبة فقد كان الخيار التلفزيوني الآخر المتاح فاصلاً متصلاً للفن الشعبي وعنقوده المزعج الشيلات. يبدو أن المقاهي تتحول تحت ضغط عشاقها إلى شقق مصغرة تتفرغ للصراخ والصداع والجدل العقيم عن انتصارات الكرة ومسرحيات الكره لمن تختلف معه أو تذهب وهو إلى صناديق الخلاف.

المقاهي في المجمل مباحة التحكم للمدمنين عليها والحاضرين مبكراً ليقتلوا فيك الرغبة في صناعة جو مختلف وقراءة الوجوه من نوافذ وزوايا أخرى. لن أذهب بطبيعة الحال للسيدة شيلات فهي حكاية مختلفة مدهشة تتأمل معها التحول العجيب في حاسة التذوق الطربي وانتقاله من سطح إلى سطح لتمشي في غياهب هذا الانتقال بعكاز التحليل، نيابةً عن دائرة التشدد والتحريم التي أحاطت الفن بمختلف وجوهه إحاطة السوار بالمعصم. التوقف الطارئ عند البرنامج الرياضي المشدود والملتهب منذ لحظته الأولى يشرح كمية التسطيح التي تسير على مرأى من الأعين وتمشي ببطء وهدوء من دون أن نهتم بأن مصطلحات كالاحتقان والكراهية والشتائم والعصبية والعنصرية تجد رواجاً هائلاً وتؤسس لجيل يستورد قاموس الشارع بالكامل ويرى في إستخدامه شيئا مثيراً أثيراً وبه ومن عليه يبني ثقته المتطرفة.

الساعة الرياضية والقناة المنتعشة لها عشاقها ومتابعوها بالطبع، ولا يمكن إفساد ولا اقتحام ونسف حرية المتابعة والملاحقة لمجتمع يجد في الرياضة أفضل الأمكنة لمشاهدة الإثارة ومتابعة الصراعات المشتعلة، وبحضور أسماء يقال إنهم نجوم شباك المشهد الرياضي والمؤثرون فيه، إنما يتربع الخوف بصدق في أن يتصدر مثل هؤلاء المنبر الرياضي ويقدموا كل شيء إلا الحضور العاقل والهدوء والحديث بإتزان وبنبرات صوت متوسطة وبغلبة للعقل، ولو لساعة الضوء ولحظات الغرور والشعور الوقتي بأن هذا البلد لا يوجد فيه سوى هذا.

محزن أن تمر عبر الرياضة قوائم هائلة من المفردات الهابطة والإسفاف العلني، ويمكنني أن أقبل بذلك في مدرج خارج عن السيطرة أو شارع يبلع المارة ويُسمعهم من رخيص الكلام، لكن من غير المقبول أن تقدم شاشات التلفاز هذه الهشاشة وتضرب إبراً ضارة وحاقدة في الوريد الاجتماعي الذي يميل شبابه بالكامل وكثير من كباره لمنطقة الرياضة وشغبها ومتعتها. تحول المشاغبة والمتعة المصاحبة الخالية من التجاوزات والإسقاط والاهتراء إلى معارك وتصفيات وصفع بالجمل والعبارات لا يرشح سوى لمزيد من الإنعكاسات الفظيعة في جسد المجتمع ونشوء أفراد مشتعلين جاهزين للقذف والتشنج وتوزيع الشتائم ونقل حراك الشارع لشاشة مرتبكة. نغضب من تجاوزات قد تطرأ في قناة مجاورة أو طائشة، ثم نغض الطرف عن هبوط صريح ومناورات مخجلة وصراخ تجاوز مرحلة المراهقة بمراحل، وتحت البند المستفز وكرة الألم المتدحرجة عبث المشاهير!

*نقلاً عن "الحياة"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات