احتكار حرية المجتمع

نبيلة حسني محجوب

نشر في: آخر تحديث:

عندما قرر الملك فيصل رحمة الله عليه فتح المدارس للبنات، قال للرافضين أنهم ليسوا ملزمين بتعليم بناتهم، أي لن يجبروا على إلحاق بناتهم بالمدارس، ولكن من حق الآخرين « الراغبين « توفير المدارس في وطنهم بدلاً من إرسال بناتهم إلى مصر وبيروت والشام كما كانوا يفعلون مضطرين! ،هي هذه القاعدة الذهبية التي تحكم الأمم، تعدد الخيارات في كل المجالات العلمية والاقتصادية والترفيهية، لتلبية كافة رغبات واحتياجات أفراد المجتمع بكل فئاتهم وتوجهاتهم وأطيافهم، من يرغب في شيء يجده متاحاً في وطنه بدلاً من تحمل عناء السفر كي يحقق رغبته في تعليم بناته مثلاً، تلك حقبة زمنية طويت صفحاتها لكن القاعدة التي وضعها الملك فيصل لم تُطوَ بل لا بد من العودة إليها كلما حدثت أزمة احتكار لحرية المجتمع.

رئيس هيئة الترفيه أحمد الخطيب قال في تصريح له لوكالة رويتر الجمعة 2 شعبان 1438هـ/ 28 إبريل 2017م : ( السينما قادمة ويمكن لـ « المحافظين « البقاء في منازلهم» رغم أن المجتمع السعودي مجتمع محافظ، والعبارة تنضوي على تمييز « المحافظين» أي من يذهب للسينما غير محافظ، وكان يمكن قولها بصيغٍ أخرى، لكنها ليست هي القضية بل المعنى يطبق القاعدة التي رسخها الفيصل. اختلف المجال لكن الفكرة هي ذاتها، ليس من حق فئة أو جماعة أو منطقة احتكار حرية وطن، المسرح والسينما وكل وسائل الترفيه لابد من توفرها ليس فقط في المدن الرئيسية بل في كل مدينة وقرية وحي، ليست فرضاً على الجميع بل تحقق للفرد الحق في حرية الاختيار، وتحقيق العدل الإلهي الذي كفل حرية العقيدة للبشر « فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر» والسينما أمر دنيوي مرتبط بالمتعة والخيال والإبهار، يجب أن يخرج من دائرة المحرمات والممنوعات.

ما تراه تافهاً يمثل عند الآخر أهمية، فأمزجة الناس مختلفة، لذلك قالوا : « لولا اختلاف الأذواق لبارت السلع». إنشاء دور السينما والأوبرا يتسق مع القاعدة التي رسخها الملك فيصل في وعي المجتمع السعودي ( من لا يرغب في تعليم ابنته ليس مجبراً ) ومن لا يرغب في السينما ليس مجبراً، فقط يكف شره عن المجتمع، عن اقتصاد الوطن الذي يُهدر في كل إجازة مهما كانت صغيرة من أجل التمتع بحرية الاختيار فقط لا أكثر.

الإحساس بتعدد الخيارات أمامك وأنك تملك القرار والحق في الاختيار هو الذي يحقق المتعة الحقيقية، يمكن لك أن تجلس في البيت أو الفندق لست مجبراً على الخروج ولا على البقاء، لكن عندما تنحصر وسائل المتعة في المول والمطعم تصاب بهذا المرض المنتشر بين السعوديين صغاراً وكباراً « الزهق « أو « الطفش « لذلك يلجأون إلى أجهزتهم الإلكترونية تحقق لهم نوعاً من هذا الحق « حرية الاختيار « لكنها للأسف أحدثت إدماناً لدى الصغار والكبار وعزلة أسرية واجتماعية أخطر من دور السينما والمسرح التي تجمع ولا تفرق، وتستثمر وقت الأسرة في المتعة والفائدة، تلك حقيقة دمرتها المخاوف من الشيطان « السينما « بينما الشيطان الحقيقي بين أيدي الصغار والكبار « الهواتف الذكية « دون رقابة ودون مشاركة.

وأنا في مصر أطلب جدول الأوبرا كل شهر، مجرد فضول وربما دعم هذا الإحساس بحرية الاختيار، يمكن الذهاب إلى الأوبرا، أو السينما، مشاهدة مسرحية، حضور ندوة في نادي القصة، اتحاد الكتاب، نقابة الصحفيين، الندوات منتظمة على مدار الأسبوع وهذا الذي لم تنجح فيه الأندية الأدبية للأسف، مجرد الإحساس بأني حرة، وأني أمتلك قراري ولي أجنحة أحلق بها أينما تأخذني يمدني بطاقة إيجابية ،راحة ،سعادة، إحساس بالمتعة التي حرمنا منها فاضطررنا للفرار في كل فرصة إلى دول الجوار للتمتع بهذا الحق « حرية الاختيار»

الاحتكار ليس شأناً اقتصادياً ممقوتاً فقط، بل احتكار الرؤى والأفكار والقرار، وقسر المجتمع على الرضوخ للفكر الواحد والرأي الواحد أكثر مقتاً لأنه يحول أفراد المجتمع إلى مجرد أعداد في قطيع، أو شكل واحد صُبَّ في قالب وتجمد لا يمكنه استعادة شكله أو حقه في الاختلاف، لا يمكنه تحديد أهدافه أو البوح برغباته واحتياجاته خوفاً من تهمة انتهاك هذه الخصوصية الوهمية التي صنعتها سنوات هيمنة الفكر المتشدد على المجتمع .

*نقلاً عن "المدينة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.