هل ما زال في مصارف الزكاة مجال «للاجتهاد»؟

محمد المختار الفال

نشر في: آخر تحديث:

التواد والتراحم والعطف على الفقراء والمساكين وبذل فضول الأموال في أعمال البر والإحسان من القيم الراسخة المتوارثة في مجتمعات المسلمين في كل مكان، وإن تفاوتت أقدارها من بيئة إلى أخرى، وتزداد مظاهرها وتتنوع صورها في هذا الشهر الكريم، لاسيما في عشره الأواخر، إذ يتسابق الأغنياء إلى تطهير أموالهم بالزكاة المفروضة والصدقات المسنونة، يؤدون هذا العطاء بأرواح تواقة إلى تخفيف آثار الفقر على من قعدت به همته أو أحاطت به أسباب لم تمكّنه من الكسب المغني عن طلب المساعدة.

وفي هذه الأيام المباركة بالصيام والليالي المضيئة بالطاعات والقلوب المطمئنة بنور القرآن، تنشط الهمم وتنبسط الأيدي سخاء بالمال رجاء ما عند الله من فضل عميم، وترى أهل الثراء والموفقون لفعل الخير يجتهدون في البحث عن الفقراء والمساكين وذوي الحاجة من المستحقين للعطف عليهم وبذل المعروف لهم، وكثيرون يجعلون شهر رمضان «حولاً» لزكواتهم وصدقاتهم حتى يجمعوا، في لياليه ونهاراته، طاعة الصلاة والصيام والصدقة، سعياً منهم وتطلعاً إلى القبول وغفران الذنوب.

و«ركن الزكاة» غني بالمقاصد والدلالات الاقتصادية والاجتماعية والحقوقية والعدلية، إذ تتجاوز ثمراته وآثاره المتعبد المكلف إلى غيره من الأفراد والمجتمع، بل يكاد يشكل المظهر العملي للمسؤولية الاجتماعية لأهل المال وعلاقتهم بالفقراء والمساكين في مجتمعهم ومدى قيامهم بواجباتهم نحوهم.

والمتأمل في فلسفة العبادات، في عمومها، يلاحظ أصالة «الحرية» في فعل المكلفين وتقديرهم وتعظيم مكانة وفضل «المبادرين» إلى الطاعات من دون إكراه أو قسر، وربما من هذا نستشف دوافع الراغبين في دفع زكاة المال وتنقيتها بالصدقات، إذ نراهم يتسابقون إلى ذلك من دون سطوة من قانون أو إكراه من سلطة، وإن كان الإسلام لم يتجاهل «إعمال القانون» في تحصيل الزكاة عند الحاجة، فالمشاهد والسائد أنه لا يلجأ لتطبيق القانون بالقوة إلا عند الضرورة أي حين «يمتنع» المكلف عن أداء هذا الواجب «التعبدي الاجتماعي». وميزة الزكاة أن «التعبد» فيها يحميها من «التهرب» الذي تعاني منه أنظمة الضرائب والمكوس في كل المجتمعات، متحضرها ومتخلفها، وبالتالي يضمن لها «السيرورة» والنماء المستمر.

ولا شك في أن أحد أوجه مقاصد توجيه أموال الزكاة إلى فئة الفقراء والمساكين هو سد حاجاتهم وصون كرامتهم وإغناؤهم عن اللجوء إلى «المسألة» ومساعدتهم في العيش الكريم. ولأن الدخول «المتقطعة» والإعانات «الإسعافية» لا تحقق هذا الهدف الأساس وهو نقل الفقير والمسكين من دائرة «الحاجة المتجددة» إلى مرحلة «الاستغناء المستديم» أي مرحلة الاستغناء عن الناس والتحول إلى الإنتاج والمشاركة في القوى الإيجابية التي تعطي ولا تنتظر أن تأخذ.

وقد شغلت مصارف الزكاة حيزاً كبيراً من اهتمام الفقهاء والمصلحين والاقتصاديين والمعنيين بتنمية المجتمعات واستغلال ثرواتها وتوجيهها لتعزيز خطط وبرامج التنمية المستدامة وتمكين الإنسان ليكون منتجاً محققاً آدميته وأفضليته «اليد العليا خير من اليد السفلى».

وهناك الكثير من «التنظير» حول إدارة أموال الزكاة عند المسلمين في هذا العصر، لم يتنزل على أرض الواقع، إما لاستغراقه في «النظرية» واكتفاء أصحابه بالوقوف عند مرحلة «الصورة المثالية» التي تتحدث عن ماض أحاطت به ظروف مختلفة ولن تعود، وإما لسوء التطبيق بسبب عوامل خارجية، ومن هنا أرى أن «التجارب العملية» التي طبقت في بعض المجتمعات أو البيئات جديرة بالتأمل للاستفادة منها، ومن تلك التجارب، تجربة سنغافورة في إدارة أموال الزكاة.

وهذه الدولة الصغيرة تعد «أنموذجاً» في فعالية الإدارة وأثر الشفافية والنزاهة في تنفيذ خطط وبرامج التنمية وتمكين الإنسان.

المسلمون في هذه الدولة الصغير لا يتجاوزون 15 في المئة من السكان، لكنهم، مثل كل فئات بلدهم، منتجون منخرطون في برامج التنمية من دون أن يتخلوا عن دينهم أو يطالبهم أحد بذلك، ومن خصوصياتهم وابتكاراتهم لإدارة شؤون حياتهم «تجديدهم» في آليات توظيف أموال الزكاة لإصلاح أحوال مجتمعهم. نظام الزكاة في هذا البلد الصغير «الأنموذج» يهدف إلى تحويل الفقير المستحق للزكاة إلى غني تجب عليه الزكاة في فترة محددة. ويمكن تلخيص هذا النظام في أنه يبدأ بدرس أوضاع الأسر المستحقة للزكاة ثم يقرر لكل أسرة راتباً شهرياً مع التكفل بتسديد رسوم وتكاليف تعليم الأولاد وتوفير التدريب للكبار لمساعدتهم في الانخراط في نشاط إنتاجي، ومساعدتهم في تكوين رأس المال المطلوب لنشاطهم، بحسب التأهيل والرغبة والقدرة، وتتبع ومراقبة سير أعمال هذه الأسر. وبعد عامين من التدريب والتوجيه والإرشاد والمتابعة والمراقبة والتأكد من نجاح الأسرة وانتقالها من دائرة الفقراء والمساكين المستحقين للزكاة إلى مستوى الاكتفاء، تبدأ مرحلة «تسديد القروض» على شكل أقساط لا تتجاوز نسبة الزكاة المفروضة (2.5 في المئة)، وبهذا الأسلوب «العملي» ينتقل الفقراء والمحتاجون إلى مستوى المشاركة في الإنتاج وتوسيع دائرة وعاء الزكاة وتقليص أعداد المستحقين.

هذا «الأنموذج» العملي يثير سلسلة من الأسئلة مثل: هل يمكن أن يناقش الفقهاء والاقتصاديون والتنميون «مشروعية» استثمار أموال الزكاة في مشاريع إنتاجية تعود أرباحها على مستحقيها في شكل مدارس ومستشفيات ومراكز تدريب وصناديق إقراض لأصحاب المواهب والمبادرات من الفقراء والمساكين؟

هل يمكن أن ينظر الفقهاء إلى «أحقية» الفقراء والمساكين لأموال الزكاة بما يحقق «ترشيد» صرف تلك الأموال وتوجيه جزء منها إلى هيئات استثمارية بعوائد مستمرة لا تذهب كل عائداتها إلى الفقراء في شكل مأكل ومشرب وملبس وسكن، بل توجه إلى مشاريع يعود نفعها على الفقراء والمساكين في شكل نظام للرعاية الصحية وتعليم الأبناء وتدريب الشباب وتوفير السكن الدائم الملائم لصون كرامة الفقير والمسكين؟ هل يمكن أن يتسع «الاجتهاد العملي» للتفكير في إشراك الفقراء القادرين في إدارة استثمار مستحقاتهم من الزكاة، بمعنى أن تقوم مؤسسات صغيرة «ميكرو» في أحياء المدن لاستثمار جزء من أموال الزكاة في مشاريع صغيرة مدروسة تعود ملكيتها لأفراد بهدف تحسين أحوالهم وتمكينهم للانتقال من الفقر إلى الإنتاج؟

خواطر لا تدعي القدرة على تقديم الإجابة، لكن يشفع لها الرغبة في تحفيز المسلمين للإقبال على دفع زكاة أموالهم بما يحقق «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير».

* نقلا عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.