للنساء فقط

ميسون الدخيل

نشر في: آخر تحديث:

أكبر كنز ممكن للفرد أن يورثه لأبنائه، هو الذكريات، وحبذا لو كان جزءا كبيرا منها خبرات نساعدهم فيها على تكوين رؤية واضحة عن الحياة من حولهم، يبنون عليها خبرات جديدة تجعلهم قادرين على مواجهة التحديات، وما أكثرها في هذا الزمن.
اليوم، نجد أن كثيرا من بناتنا لا يعرفن كيف تحضر البيضة! كل شيء جاهز تقريبا، من الخضار المقطعة إلى المعجنات المجمدة، والملابس التي تباع جاهزة، وإن احتجن إلى خياطة أزرار تتم الاستعانة بخياط من أقرب حارة، وبالطبع مع انتشار بضائع الأسر المنتجة من المأكولات والبضائع الأخرى التي غزت وسائل التواصل، وسهولة التوصيل، كل ذلك زاد من اعتماد الجيل الحالي على خارج المنزل لكل ما يحتاجه داخله!
والآن، بعدما تبين أن زمن الإسراف انتهى، وعدنا إلى زمن التوفير، نحن بحاجة إلى إعادة التفكير جديا بتأهيل بناتنا، لأن كل ريال أصبح له وزنه في ميزانية ومصروفات المنزل.
وهذه فرصة للأمهات كي يعدن التواصل مع بناتهن، وهنا أعني وجها لوجه، وليس عن طريق «الواتس» والهاتف النقال! وإن كانت الأم نفسها لا تعرف كيف تقوم بهذه الأعمال، تستطيع أن تبدأ التعلم مع بناتها، وتجعل من هذه الخبرات أمرا مسليا وليس عبئا أو جبرا أو أمرا، بل محبة وحنانا حتى تنغرز هذه الذكريات في وجدان بناتنا ويتم التعلم.
أما أبناؤنا، فيجب حث الآباء على تخصيص وقت لتعلم التعامل مع كل ما يحتاج إلى إصلاح في المنزل، فبدلا من أن يُشَلّ المنزل كلما خرب شيء، يقوم الشاب بتصليحه: سباكة، نجارة، كهرباء، ميكانيكا سيارات، مجرد أمثلة لأمور عدة من الممكن تعلمها، إن تمت بطريقة تعاونية ومسلية وليست فرضا وتحت الضغط، بالترغيب والحوار تسهل العملية.
ومرة أخرى، إن كان الأب لا يعرف كيف، ليقمْ بالتعلم مع أبنائه، وليجعلْ من الأمر أوقاتا سعيدة سيتذكرها الابن ويثمنها.
وللجدات منا، حتى الموظفات أو العاملات، الأحفاد لن يتذكروا ما مركزكن أو عملكن بقدر ما سيتذكرون الأوقات التي أمضوها معكن.
غالبية ما تعلمته من الحياة داخل المنزل، كانت مما أتذكره من جدتي -رحمها الله- كانت توزع علينا أعمال المنزل حين كنا صغارا، ونريد أن نقلد، وحين كبرنا قليلا وبدأنا نرى أنه عبء، وبدأنا بالتذمر أدخلت الحوافز، منها زيادة في وقت اللعب أمام المنزل، أو تحضير طبخة نحبها، أو موعد للتنزه في الحديقة العامة مع خالتي، أو حتى رحلة ترفيهية مع أخوالي، المهم كانت دائما تجد ما تغرينا به، كان هدفها أن نتعلم حتى وإن لزم الأمر أن تعيد العمل من بعدنا.
ولم تكتف بذلك، بل كانت ترسلنا لشراء بعض الحاجيات من البقالة أو «الخضرجي» أو اللحام، وتتأكد أننا اشترينا ما هو صالح وطازج، كانت تمسك بكيس الخضار وتتفحصه وتقلب بين أيديها كل حبة، وهي تشرح لنا كيف نفرّق ونحن نراقب، أحيانا كنا نتجاهل وأحيانا كنا نصغي باهتمام، لكن أجمل ما في الأمر، حينما كنا نتابعها وهي تحول هذه الخضار إلى أكلات شهية تملأ رائحتها جنبات الدار.
بيت جدتي لم يكن معطرا بالبخور أو روائح بخاخات الورود والأزهار التي تملأ بعض منازلنا اليوم، بيت جدتي
كان معطرا برائحة المحبة من كل شكل وطعم ولون، وليالي جدتي كانت تغزلها لنا حكايات من الزمن الماضي.
ففي الصيف كنا نجلس في الشرفة ننشد نسمات الليل الباردة، نورنا أنجم السماء، وضوء قمر يشعل الجمال حولنا، وفي الشتاء كانت تجمعنا حول الموقد والنيران ترسل شعاعا يتراقص على جدران الغرفة، أحيانا تحمص عليه الكستناء، وأحيانا شطائر الجبن والزيت والزعتر، وأحيانا أخرى كانت تضع قشرة برتقال أو ليمون ليتمدد
عطرهما ويتسلل إلى أعماق أرواحنا وننتشي.
هذه النوعية من الذكريات التي يجب أن نتركها لأبنائنا، تواصل جسدا بجسد وعينا بعين وروحا بروح. هذا ما يحتاجونه منا، ترابط حقيقي لا عبر الأثير، وكأن كل منا يسكن بلدا، بتنا في المنزل الواحد غرباء لا نعرف حتى كيف نتواصل مع أنفسنا، فكيف بأبناء لنا!
لا أقول، يجب أن تكون ذكرياتكم شبيهة بالتي مررت بها، ولكن هنالك ألف طريقة وطريقة تستطيعون خلالها خلق أجواء حميمة، وبدلا من أن نشتكي لنفكرْ ونتدبرْ، لنسألْ ونبحث ونتبادل الخبرات مع أمهات مثلنا، ثم لنجربْ ماذا سنخسر؟! مسلسل تلفزيوني أم طرفة وخبر على «الواتس» أم سهرة مع الصديقات؟! ولمن تقضي أوقاتها في التعبد والدروس الدينية، زادك الله من نعيم وحلاوة الإيمان، ولمن تبحث عن العلم والمعرفة، حقق الله لك الرفعة والتألق، ولكن التفاتنا إلى أغلى ما عندنا والقيام بمسؤولياتنا تجاههم، هو أيضا عبادة وعلم وارتقاء، كله يعوض خاصة مع القليل من التخطيط للوقت والجهد، لكن الزمن الذي يمر دون أن نستثمره مع الأبناء، إنْ ذهب لا يعوض!
نريد حين يغمض الأبناء أعينهم في المستقبل، ألا تتمحور ذكرياتهم حول عالمة فلكية أو رابعة العدوية، أو رئيس مجلس إدارة، أو شيخ حارة، فالعبرة ليست فيما وصلتم إليه، بل ما تم تخزينه من تجارب وخبرات معكم!
كما لا نريدهم أن يتذكروا منزلا فارغا من المشاعر، أسرة بلا تواصل؛ فقط أوامر وتذمر وشكاوى! ما نريدهم أن يتذكروه هو لحظات دفء، عبير محبة، حرارة حضن، نغم لحن يدندن بشفاه مبتسمة. نريد وجدانا حيا يعيدهم عبر الزمن إلى حيث كنا معا يوما، لحظات يتزودون خلالها جرعة طاقة تشد من عزمهم، وتعيدهم أكثر قوة وتحمل، نريد أن يدخلوا الحياة وهم يتجولون بثقة على أرضها، وتحت شمسها وظلها، يصادقون قمرها، ويهمسون عبر رياح بحارها، حفاة على شطآنها، يشعرون بتحرك كل ذرة من رمالها، نريدهم أن يكونوا قادة قادرين على تسلق قممها، مستمتعين بخلق ذكريات حقيقية، يعيشون خبرات واقعية تؤهلهم للتعامل بمهارة مع التحديات من أبسطها إلى أكثرها تعقيدا.
المغزى، لا نريدهم أن يتحولوا إلى مستهلكين يعيشون جل أعمارهم بين موجات الأثير، حيث تسلب منهم الحياة
وهم عنها غافلون!.

*نقلا عن "الوطن" السعودية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.