عاجل

البث المباشر

بناء ثقافي جديد لأمن مستقبلنا

يبدو أن محاصرة ومواجهة منابع دعم الإرهاب والإرهابيين بدأت تؤتي ثمارها في تهالك قوى تنظيم داعش في كثير من مواقعها وخاصة في مواقع الصراع في العراق وبعض تواجدها في سورية مع ضعف منابر الفتنة في وسائل التواصل الاجتماعي.. حيث غابت منابر التحريض وزارعي الفتنة، غابت شمسهم السوداء بل إن تويتر عاش حالة سلام مع انسحاب بعض المغردين لأجل غير مسمى..

موقف الرياض الحازم في مواجهة الإرهاب ليس وليد اليوم بل التاريخ يؤكد أنه بدأ بقوة قبل عقدين من الزمن ولكن اتساع وعمق ضرب الإرهاب وداعميه بات قراراً سياسياً قوياً يضاف لقوة المواجهة الأمنية.. بعد أن تمادت إيران وأصدقاؤها في احتضانه ودعمه..

واليوم نحتاج لاكتمال مثلث محاصرة الإرهاب بحيث يكون (أمنياً وسياسياً وفكرياً) وذلك بقيام مؤسسات التعليم العام والعالي وما يرتبط بها من مناهج وأنشطة ومؤتمرات وأبحاث ومؤلفات.. وقبل ذلك العنصر البشري الذي يدير العملية التعليمية تخطيطاً أو تنفيذاً وفي كافة مفاصل المؤسسة التعليمية هذا من جانب.. ومن جانب آخر على المؤسسات الثقافية بكل منافذها وأشكالها ومنابرها واتجاهاتها وتنوعها التكامل فيما بينها للقيام بدورها في بناء نموذج معاصر لثقافة بكل مكوناتها تساند قيماً إنسانية مشتركة مع كل المجتمعات مثل التسامح والتعايش وقبول الآخر ثقافة معاصرة تستوعب المتغيرات بفكر معاصر لا تُغلق منافذه باستحضار أحكام ورؤى انتهت بانتفاء أسبابها، أو تغيرت بتغير معطيات البيئة الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية.. تكوين فكر معاصر يُفعل عملياً استيعاب الواقع بكل متغيراته لا يخضع فيه مثقفو المنبر لسيطرة الأعراف والعادات والمؤكد نقاء منهجهم ومنطلقاتهم العلمية من أي أجندة حزبية أو سياسية..

حاجتنا لبناء مكون ثقافي اجتماعي يمثّل حجر الزاوية في مواجهة الفكر المتشدد وبالتالي القضاء على بيئة داعمة للقضاء على ثقافة التشدد التي هي من معززات الإرهاب، بل ومن أهم مغذيات تكوين ثقافة الإرهاب بكل أشكاله من إرهاب دموي أو لفظي..

بناء مكون ثقافي اجتماعي مرتكز على قيم إسلامية إنسانية بات ضرورة لن تتحقق إلا بإعادة بناء كثير من محتويات مؤسسات التنشئة الاجتماعية وخاصة التعليم ومنابر المساجد التي عليها مسؤولية الخلاص من تكريس ثقافة التشدد والخضوع لمحتوى خطاب لم يعد مناسباً لعصرنا سواء في محتواه أو مفرداته مع ضرورة العناية بمنهج الاجتهاد والثقة بقدرة علماء العصر على بناء قواسم مشتركة مع المجتمعات الأخرى خاصة من تعتنق الديانات السماوية..

بناء مكون ثقافي اجتماعي معاصر ليس ترفاً وليس مكان مفاضلة بل هو خيار حتمي لتكوين مجتمع إنساني طبيعي وقادر على أن يكون بكل طوائفه وفئاته متسقاً بشكل طبيعي مع المجتمعات العالمية دون أن يفقد هويته..

ولعل قيام مؤسسات التعليم قبل غيرها بتكوين هذه الثقافة وتكريس هذه القيم بشكل عملي في وجدان الطلبة من عمر مبكر يساهم في اجتثاث ثقافة التشدد، كما أن إدراج بعض المقررات الدراسية في المنهج التعليمي مثل الفلسفة والأخلاق والتكنولوجيا باتت ضرورة يقفز من خلالها التعليم من مربع النمطية الذي سيطر عليه المنهج الخفي لسنوات إلى مساحات واسعة تتيح للعقل العمل والتدبر، وأول خطوة وأسرعها وأبسطها ألا نرى في أي مؤسسة تعليمية مكاناً لأي متشدد أو متشددة بدءاً من العام الدراسي المقبل.

*نقلاً عن "الرياض"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات