انتحار بطريقة سهلة

قينان الغامدي

نشر في: آخر تحديث:

إذا قررت أن تنتحر -لا سمح الله- فالمسألة بسيطة جدا، لا تشغل رجال الدفاع المدني وهم يرجونك ويغرونك للنزول من سطح عمارة أو حتى «كوبري»!.
كل ما عليك هو أن تغيّر ملابسك، وتكتب وصيتك، وتتوكل على الباري، ثم «تطب!» أحد شوارع جدة الرئيسية، فأنت حتما ستحقق طموحك في الانتحار دون تعب أو قلق، وبسرعة لم تتوقعها «حضرتك!».
الذي يحدث في شوارع جدة الرئيسة -وغالبا غيرها من المدن المزدحمة- انتحار مؤكد، بسبب الفوضى العارمة التي تجتاح هذه الشوارع، ولأن المرور غائب تماما، وكاميراته الجديدة خدمت موضوع قطع الإشارة في بعض التقاطعات، والسرعة في شوارع وطرقات أخرى!.
المشكلة التي «تفقع المرارة!»، أن رجال المرور موجودون، لكنهم، «يا عيني!» مشغولون بجوّالاتهم، نعم بجوّالاتهم، ويبدو أنهم يراسلون دولة السويد التي لم تشهد حادثا واحدا خلال العام الماضي!.
عندنا مشكلة، بل كارثة مرورية، قوامها «فوضى السائق، وسوء الطريق، وإهمال رجل المرور!»، وبطبيعة الحال هذه فإن لدينا غابة مرورية الداخل فيها مفقود، والخارج منها مولود!.
منذ سنوات كتبت هنا -وكتب غيري- أن الوعي ابن النظام الصارم وليس العكس، وقلت ضاعفوا العقوبات المالية على المخالفات، لكن مع الأسف، ضوعفت الغرامات المرورية لتكون جباية لا حماية، وإلا فما معنى «الكاميرات!» السرية الموضوعة في بعض الطرقات والشوارع، وكأن الهدف الغرامة لا توليد الوعي!.
في شوارع العالم «المتقدم، والمتخلف!»، يستحيل على رجل المرور أن يسجل عليك مخالفة إلا إن كانت مقنعة للمحكمة!.
ولا مشكلة في الجباية لو أنها نفعت، ولكن كل السائقين يتحاشون «الكاميرات!»، لكنهم لا يتحاشون المخالفة، فمثلا في الطرق التي تعتبر سريعة، وتم إلغاء الإشارات المرورية فيها، يوجد «الدوران إلى الخلف!»، وهذا الدوران «U-turn» يجعلك تدور على نفسك ألف مرة، حتى تفهم لماذا كل هذا الوقت الطويل للمنضبط بالنظام؟!
سأضرب لكم مثلا واحدا من جدة، وإلا فالأمثلة أكثر من أن تحصى في كل مدينة بالمملكة، والمثال يقول: «طريق الملك عبدالعزيز في جدة يعتبر طريقا رئيسا سريعا!»، لكن مرور جدة أراد أن يجعل هذا الطريق، طريقا للنكد، والتعطيل، و»العكننة!»، والفوضى الموجودة في هذا الطريق السريع «الأنيق!» الواسع، هي أكبر وأصدق دليل، ليس على فشل إدارة مرور جدة فحسب، بل على فشل الإدارة العامة للمرور في اختيار وتكليف كفاءات تعرف أن عملها في الميدان!، وليس «مرمطة!» المراجعين في المكاتب المكيفة، واستعراض الرُّتب التي لا قيمة لها مطلقا في ظل فوضى الشوارع!.
في طريق الملك هذا، وفي أي وقت ليلا أو نهارا، ستجد أربعة طوابير من فوضويي قيادة السيارات، يرغبون في «الدوران إلى الخلف!»، ثم لا تجد أثرا لرجل المرور عند هذا الـ»uterine»، أي أثر يستحق التقدير، والكارثة ليست أن رجل المرور هذا غير موجود، بل هو موجود داخل سيارته، ومشغول بـ»واتساب» و»تويتر» وغيرهما، وقد رأيت ذلك بأم «وأبو وخال!» عيني!
ولأنك في «جدة غير!»، فلن تعجب من رصد مشاهد مرورية، عجيبة غريبة، غير «مبلوعة!» مطلقا.
فمثلا، ستجد سيارة مرور تعتلي رصيفا والعسكري داخلها مشغول بشاشة جواله، ثم ستجد سيارة مرور ودراجة مرورية نارية تقطع الإشارات، وتقتحم الدوارات والتقاطعات، من غير «إحم ولا دستور!»، ولو تجرأت وسألت أحدهم، فسيقول بكل برود: «وش دخلك!»، أمّا إن تكرم وتعطف معك، فسيقول عندي أوامر من الضابط المسؤول بالوقوف هنا!.
الحقيقة، أن أمر إدارة المرور محيّر، فمن جهة هي تعلن وتتبنى فضائح وكوارث الحوادث التي يذهب ضحيتها الآلاف، ثم لا نجد لهم حسّا في الميدان ولا ركزا، والحقيقة الأخرى أنه لا داعي لوجودهم طالما هم بهذه المشاغل الكثيرة في جوالاتهم!
نعم، لا داعي، لأن أي مكان تجد فيه زحمة مقلقة، ثق أن هناك رجل مرور ينظم الفوضى وهو في سيارته المكيفة، أو عدم فهمٍ لدوره المنوط به، وكلاهما حال لا يسر.

نقلاً عن الوطن

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.