عالم البترول .. قرية صغيرة

عثمان الخويطر

نشر في: آخر تحديث:

يكاد يجمع معظم المهتمين بشؤون البترول على أن مصدر أصل البترول في العالم واحد. وأنه قد تكوّن بأمر الله وقدرته خلال حقبة طويلة من الزمن، كانت قد بدأت قبل ما يقارب 600 مليون سنة. وهو موزع بين الطبقات الصخرية الرسوبية تحت أعماق الأرض، سائلا وغازا. وهناك، لمنْ لا يعلم ذلك، كميات كبيرة موجودة على أو قرب سطح الأرض في حالة صلبة ومختلطة مع صخور ورمال رسوبية في باطن بحيرات قديمة كانت قد جفت منذ ملايين السنين. ويتم إنتاج هذا النوع عن طرق تجميعه بواسطة الجرافات ثم نقله بقلابات كبيرة خاصة إلى معامل صهر تحت درجة حرارة عالية تذيب الصخر، من أجل استخلاص المادة العضوية التي تتحول بدورها إلى بترول. ويبلغ احتياطي هذا البترول في أمريكا وكندا وبلدان أخرى، منها الأردن والمغرب، ما يزيد على تريليوني برميل. وإنتاجه غير اقتصادي في الوقت الحاضر. وخلال عمر تكوينه لم يمر بالظروف الجيولوجية التي تعرضت لها الطبقات الرسوبية في باطن الأرض وحولت تلك المواد العضوية إلى سوائل وغازات. ولتشابه الظروف المناخية والبيئات التي مرت بأحوال الكرة الأرضية فلا تخلو قارة على وجه الأرض من البترول، بما في ذلك القطبان الشمالي والجنوبي وأعماق البحار. الاختلاف بين القارات هو فقط في الكميات، وهذا أيضا يعود إلى الظروف المناخية وحركة الطبقات الصخرية نتيجة للزلازل والتصدعات الأرضية التي سمحت لتنقل وهجرة المواد البترولية من مكانها الأصلي إلى مكان وجود ما بقي منها عندما بدأ اكتشاف البترول في العصر الحديث. ومع ذلك فهناك، حتى بين المتخصصين أنفسهم، اختلافات جوهرية فيما يتعلق بأمور كثيرة مرتبطة بحاضر البترول ومستقبله. فهم يختلفون حول ما تبقى من الاحتياطيات الموجودة تحت سطح الأرض وفوقها. ويختلفون اختلافا كبيرا حول ما يتعلق بذروة الإنتاج، وذروة الطلب، والعمر الافتراضي للبترول. أما الاختلاف الذي يخص مستقبل أسعار البترول، في ضوء النمو المستمر للطلب، وعكسه النضوب الطبيعي نتيجة للاستنزاف اليومي الهائل ومنافسة مصادر الطاقة المتجددة وردة فعل انتشار المركبات الكهربائية، فحدث ولا حرج. فهناك رأي يتخيل إمكانية الاستغناء عن البترول واستبداله بمصادر أقل تكلفة وأيسر استخداما. وهذا منطقيا أقرب إلى الخيال منه إلى الواقع. لأن الذين يتبنون هذا الفكر يغفلون موضوعين مهمين. أولهما، أن للبترول استخدامات صناعية لا تقل أهمية عن كونه مصدرا متميزا لتوليد الطاقة. والأمر الثاني، هو وجود بنية تحتية عريقة للصناعة البترولية ومرتبطة ارتباطا قويا بالاقتصاد العالمي، ليس بالأمر السهل الاستغناء عنها أو إغفالها لمصلحة بنية تحتية جديدة حتما ستكلف المجتمع الدولي تريليونات الدولارات. ومن المفترض أن هذا العامل الاقتصادي لا يفوت على المتخصصين في العلوم الاقتصادية، فهو من صميم اختصاصهم. ومع ذلك لا تكاد تسمع منهم أو تقرأ لهم تعليقا على الموضوع. وهو جزء لا يتجزأ من مرحلة الانتقال من مصدر طاقة متأصل في روح المجتمع إلى مصدر جديد على الساحة الدولية، ما يدل على أن معظم ما نسمع من المتحدثين والمحللين حول مسالة إمكانية الاستغناء عن البترول أو تخفيض الاعتماد عليه ليس له أساس علمي، بل إن الغالبية ممن يقحمون أنفسهم في الموضوع يعتمدون على ما تنقله وسائل إعلام غير مؤهلة وعلى كثير من الظن والتخمين. وكثير من المحللين لمستقبل البترول يركزون، ربما دون اهتمام، على ما يسمى البترول التقليدي ولا يدركون أن هناك احتياطيات غير تقليدية تفوق بثلاثة أو أربعة أضعاف التقليدي ولكن لا أحد يتحدث عنها، لأنه لم يأت دورها بعد. صحيح أن إنتاجها في وقتنا الحاضر غير اقتصادي، ولكن مآل المجتمع الدولي اللجوء إليها لاحقا. وما بدأ إنتاج البترول الصخري الأمريكي والرمل البترولي الكندي الذي يتجاوز ستة ملايين برميل في اليوم، وهما من أصناف غير التقليدي، إلا إيذانا بقرب نضوب التقليدي. ولكن أغلب شعوب العالم لا تدرك هذا الواقع بسبب تدني مستوى الثقافة البترولية. وكما تتوزع بقية الموارد الطبيعية والأمطار بين مناطق التأهيل السكاني بنسب مختلفة، كذلك البترول. فوجوده بكميات متفاوتة في مختلف القارات، لا يمت بصلة إلى تقدم الشعوب ولا إلى مساحات الدول التي تحتضن كميات قليلة أو كثيرة من البترول. فبالنسبة لخالق الكون هي حكمة بالغة هو أعلم بمغزاها. أما بالنسبة لنا بني البشر فوجوده تحت أراضينا يعبر عن قمة العشوائية، ولا وجود لتفسير منطقي. فدولة صغيرة لا يتعدى عدد سكانها عشرات أو مئات الألوف، يكتشفون تحت أقدامهم كميات هائلة من البترول والغاز. وشعب يصل عدده مئات الملايين تكاد تكون أرضهم خالية تماما من البترول. ولله في خلقه شؤون. وزبدة الحديث أن العالم كله ما فتئ يستنزف البترول الرخيص بشراهة منقطعة النظير، غير عابئين بما يخبئ القدر للبشرية عندما ينتهي العصر الذهبي للبترول. حينها، سيلجأ إلى المصادر البترولية الأكثر كِلفة وأقل إنتاجا. وستتغير خريطة الإنتاج لمصلحة الدول التي تملك احتياطيات كبيرة من غير التقليدي. ومن واجبنا، في دول الخليج، أن نتهيأ لما بعد البترول، نظرا لشح الموارد الطبيعية في بلادنا وكوننا أمة غير منتجة بالمعنى العصري. أي أننا لسنا حتى الآن من الشعوب التي تعيش على مجهود أبنائها، وإن كان ذلك من أهدافنا الرئيسة.

نقلاً عن "الاقتصادية"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.