مدى قدرتنا على تطوير الإنسان

محمد أحمد مشاط

نشر في: آخر تحديث:

أول ما شاركت بالإلقاء الشعري جماهيرياً، كان في حفل «مهرجان ربيع جدة لعام ١٩٩٢م» الذي دعتني إليه جمعية الثقافة والفنون بجدة، وشاركني في تلك الأمسية الشاعر إبراهيم صعابي. بينما كان مقدم الحفل مذيع التلفزيون الآن الأستاذ جبريل أو ديّة.

كان المكان بالقرب من ساحل البحر، وكان مكتظاً بالجمهور العاشق للشعر الذي كان يفوق ربما ألفين إلى ثلاثة آلاف شخص، ولكن لأسفي وزميلي لم يأتوا لسماع شعرنا، بل جاؤوا ليستمعوا لنجم الحرس الوطني حينها الشاعر خلف بن هذال العتيبي. وكان توقيت فقرته الإلقائية بعدنا. فلما اعتذر من عدم تمكنه الحضور للمهرجان لأسباب شخصية، أخبر مقدم الحفل الجمهور الكبير باعتذاره عن الأمسية.

وقد كنا نحن الاثنين في تلك اللحظة على المسرح أمام الميكروفون استعداداً لإلقاء شعرنا. فلما علم الجمهور الكبير باعتذار الشاعر العتيبي، بدأ الناس يتسرّبون من مقاعدهم فوراً، بدون تردد، أو مجاملة للشاعرين اللذين على المسرح.

لقد كانت بداية مؤلمة لي بأن أبدأ أول أمسية أشارك فيها بفقد ذلك الجمهور الكبير. فما بقى منه إلا عدد قليل، ربما لا يتجاوز مئتي شخص مع أطفالهم. فما كان علينا إلا إنْهاء تلك الأمسية الشعرية الجريحة الكبرياء، وكأن شيئاً لم يكن، على الرغم من قيام بعض الجمهور بتعليقات مستهجنة وسوقية، تفوح برائحة الأمية والسلوكيات المستهجنة.

ليس الغرض من هذا المقال تفضيل الشعر الفصيح على الشعر النبطي، فكلاهما يعبران عن شخصيتنا؛ ولكن ما أخاف عليه - بعد ما يقرب من ربع قرن - هو مدى قدرتنا على تنمية وتطوير الإنسان السعودي، لكي ينتج ويستهلك مختلف آفاق ومدارات ما يعرف «بالقوة الناعمة» من شعر، وأدب، وفكر، وإعلام، وفلسفة، وعلوم فيزيائية، وكيميائية، ورياضيات، وابتكارات، وفنون تشكيلية، وغنائية، ومسرحية، وغيرها. بل كل ما يعول عليه لكي ينقل وطننا للتقدم والثقافة الحضارية المعاصرة والمستقبلية، والسلوكيات الرفيعة؛ حيث لن تتمكن الأوطان من بلوغها بوسائل القوة المعروفة مهما عظمت، بوجود أنماط الجهل والتخلف، والتغييب الإبداعي.

نقلا عن "المدينة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.