الدبلوماسية السعودية تحاصر إيران

مي الشريف

نشر في: آخر تحديث:

بدأت الدبلوماسية السعودية تجني ثمار تحركاتها في الآونة الأخيرة، بدءًا من زيارة الأمير محمد بن سلمان لواشنطن، ثمَّ استقبال الرئيس الأمريكي لحضور قمة الرياض التاريخية، التي تخللها إطلاق مركز دولي لمكافحة التطرّف بحضور واسع من قادة ورؤساء الدول المشاركة. فتمَّ – بالأمس – في واشنطن، الإعلان عن استراتيجية الولايات المتحدة بخصوص الملف الإيراني، التي اتسمت بالحزم والمواجهة مع النظام الإيراني، بعكس ما تمَّ اختزاله في عهد الرئيس السابق باراك أوباما من سياسات ضعيفة، وزعامة واهية، وتركيز على كبح جماح الطموح النووي العسكري الإيراني، وتجاهل تام للتوغلات الإيرانية في الدول الجوار، التي على إثرها ما زال القتل مستمرًا في اليمن وسوريا، وانتشرت طائفية مقيتة في العراق.

بيَّن الرئيس الأمريكي بخطاب عن تعاون حلفاء المنطقة مع الإدارة الأمريكية، لبلورة قواعد محددة لعقيدة عسكرية صارمة لوضع حد لتصرفات إيران الإرهابية المزعزعة لاستقرار المنطقة، ومنع النظام الإيراني من امتلاك أي سلاح نووي. وامتد الخطاب الذي ألقاه الرئيس الأمريكي لقرابة الخمس عشرة دقيقة، بدأها بسرد تاريخ إيران الإرهابي؛ ليوضح للشعب الأمريكي والعالم، أن الإدارة الحالية لا يتمحور اهتمامها حول الاتفاق النووي فقط، ولكنها رغبة الإدارة العسكرية الأمريكية بالقضاء على النظام الإرهابي الإيراني بشكل كامل. فذكر حادثة احتلال السفارة الأميركية عام ١٩٧٩ في طهران، واحتجاز أكثر من ستين موظفًا أمريكيًا لأكثر من عام، إضافة إلى أحداث إرهابية أخرى، كتفجير السفارة الأمريكية في لبنان سنة ١٩٨٣، وتفجيرات ١٩٨٤، وتفجير الخبر سنة ١٩٩٦. فسرد تلك الوقائع الإرهابية التي دبرتها إيران؛ ليبين من خلالها أن النظام الإيراني، كما وصفه في خطابة: “نظام راديكالي ينشر الموت والدمار والفوضى في أنحاء العالم”.

يعتبر خطاب ترمب من أشرس الخطابات الهجومية لرئيس أمريكي، يتمُّ توجيهها مباشرة لنظام سياسي معترف به دوليًا، ويُستخدم فيه لأول مرة مصطلح الخليج العربي، عوضًا عن مصطلح “الخليج الفارسي” عندما قال إن النظام الإيراني يعرقل حركة الملاحة في الخليج العربي والبحر الأحمر، وأن الصواريخ الإيرانية تهدد حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة. كذلك، قام ترمب بمهاجمة المرشد الأعلى بشكل مباشر، وهو بذلك يعد أول رئيس يوجِّه اللوم المباشر إلى المرشد الأعلى. فتمَّ اتهامه – بشكل مفصل – في بيان الاستراتيجية تحت عنوان “طبيعة النظام الإيراني تحت قيادة المرشد الأعلى خامنئي”، ذكر فيها أن خامنئي والحرس الثوري، قد اتبعا سياسة ثابتة في نشر الأيديولوجية الثورية بهدف تقويض النظام الدولي والعديد من الدول عبر القوة والتخريب، مستهدفًا بشكل رئيسي الولايات المتحدة، التي ما زال يسميها “الشيطان الأكبر”. وأن النظام الإيراني تحت قيادة المرشد الأعلى خامنئي، يصدر العنف ويزعزع استقرار المنطقة. أما حال إيران الداخل، فإن النظام قائم على قمع الشعب الإيراني، واستغلال حقوقهم، وتقييد وصولهم إلى الإنترنت والعالم الخارجي، وتزوير الانتخابات، وسجن الإصلاحيين، وإطلاق النار على المحتجين.

هذا الهجوم الشرس في الخطاب والتغيير الجذري في السياسة الأمريكية نحو إيران، مقارب لسياسة الرئيس الجمهوري رونالد ريغان، في عملية إسقاط الاتحاد السوفييتي، فقد تمَّ – بالأمس – تحويل السياسة من سياسة الاحتواء تجاه إيران، إلى سياسة التحييد العدواني من خلال وقف النفوذ الإقليمي الإيراني في المنطقة، وتصنيف الحرس الثوري الإيراني كجماعة إرهابية، ومراقبته ليعزل داخليًا، وشل حركته خارجيًا. لقد اعتمدت إدارة “ريغان” في استراتيجيتها كذلك، على محاصرة الأيديولوجيا الشيوعية نفسها كفكر، وإسقاطها داخليًا، وتقليص تحركاتها خارجيًا. فكان الهجوم على المرشد الأعلى واتهامه مباشرة بما يحدث، وتحميله المسؤولية كاملة عمَّا سبق من أعمال إرهابية في المنطقة، هو إحدى وسائل إسقاط فكر الملالي.

وختم ترمب حديثه بأن إعلان الاستراتيجية هذا، كان من خلال تشاور ومباحثات مع الحلفاء للتعامل مع أنشطة إيران المدمرة، وذكر أن العمل سيستمر مع الحلفاء في المنطقة من أجل مواجهة المد الإيراني المزعزع لأمن المنطقة. وشدد أن الإدارة الأمريكية، ستمنع أي محاولة إيرانية لامتلاك سلاح نووي، وأن على إيران دفع ثمن أنشطة الحرس الثوري المشبوهة. وأنهى خطابه بأنه لن يقرَّ الالتزام بالاتفاق النووي الإيراني، وسيعمل مع الكونجرس لسد ثغرات الاتفاق، وإن لم يحصل هذا، فإن إلغاء الاتفاق النووي هو الحل.

من خلال قطع شريان الحرس الثوري الإيراني، ستقل نشاط عدة جماعات إرهابية أسهمت في زعزعة أمن المنطقة وقتل الأبرياء: كحزب الله، والحشد الشعبي، والحوثي (أنصار الله). وهذه الجماعات لا تقل خطورة عن البرنامج النووي، بما تسببه من توتر واحتقان طائفي أينما وُجدت هذه الأذرع. لقد شمل خطاب ترمب الليلة النقاط التي حرصت المملكة العربية السعودية على مناقشتها، وأن تكون محل حسم ومعالجة من قبل الإدارة الأمريكية؛ لتجديد الشراكة الاستراتيجية والحلف التاريخي بينهما.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.