هل أزمتنا في نقص أوعية المعلومات أم المعلومات؟

محمد المزيني

نشر في: آخر تحديث:

أكاد أجزم أننا نجحنا نجاحاً باهراً في اقتفاء أوعية المعلومات بكل أشكالها وأنواعها، المقروءة والمسموعة والمرئية، من خلال مراكزنا الكبيرة ومكتباتنا الضخمة، استعانة بموازنات تواكب تطلعات العاملين فيها، من مختصين في المكتبات وتقنية المعلومات، ولكن السؤال هنا هو؛ بعيداً عن التطبيل والمدائح المجانية: هل نجحنا في توفير هذه المعلومات من داخل أوعيتها المكدسة على الرفوف والحواسيب الخاصة بها، التي تركت لإفادة الباحثين والدارسين منها، كل بحسب حاجته منها وقدرته على استخلاص مادة بحثه في شكل فردي؟

مع أن هذا واحد من أهداف المكتبات ومراكز المعلومات، فإننا - بصراحة تامة - مانزال متعثرين جداً في استخلاص ما يحتاج إليه الوطن منها في مسيرته التنموية ونهضته التي يُتطلع إليها في كل المجالات، والتي لا يمكن أن تبنى بمعزل عن المعلومات الحقيقية التي تتكئ على مراجع ومصادر واقعية، وأكاد أجزم أيضاً أن وزاراتنا المعنية لم تكن تولي عنايتها كاملة لتشييد بنية معلوماتية كاملة تقرأ من خلالها واقعها وتتدارس إنجازاتها وتضع بناء عليها استراتيجياتها، وبخاصة عندما ترتبط هذه المعلومات بحاجات الإنسان التعليمية والصحية والاقتصادية، ولعل أخص خصوصيات المعلومات عندما ترتبط بسياسات الدولة العليا وارتباطاتها المعقدة بالعالم وقضاياه.

نعم، هنا مختصون في المكتبات ومراكز المعلومات، معنيون مباشرة بجمع أوعية المعلومات بشتى الطرق، وفهرستها وتصنيفها واستحداث أنظمة وبرامج حاسوبية تسهل الوصول إليها، إلا أننا لن نجد مختصين مكلفين بإعداد الملفات المختصة التي تساعد الدولة في تلمس مشكلاتها، كي تبني على أساسها استراتيجياتها المستقبلية، وتقي بها نفسها من مغبة الوقوع في منزلقات التحولات الحادة، لذلك تبرز الأهمية القصوى في بناء قواعد مرتبطة بكل الوزارات والهيئات والمؤسسات الوطنية، تضخ من خلالها كل البيانات والمعلومات المستجدة إلى فريق مختص يعكف على درسها واستخلاص النتائج منها، مع حزمة من الحلول المناسبة، بمنتهى الأمانة والصدقية، وبخاصة في أيامنا هذه التي اتسمت بالشفافية في كل شيء، تلك التي واكبت برنامج التحول 2030، بحيث لم يعد أحد خارج نطاق المسؤولية مهما علا شأنه أو كبرت مرتبته أو اسمه. يتحدث مختصو المكتبات والمعلومات اليوم عن كيفية الإفادة من البيانات الضخمة، وأهمية معالجتها وتحليلها، لضمان الوصول إلى اتخاذ قرارات ذات تأثير فعال عند صياغة المستقبل، وهذا حقيقي ومجرب في دول أخرى لم تنهض إلا من خلال بناء ذخيرة معلوماتية هائلة عكف المختصون على درسها وتحليلها، واستخلصت منها نتائج عظيمة سهلت للسياسي والاقتصادي والإعلامي والتربوي والاجتماعي اتخاذ قرارات سديدة عادت بالنفع على الإنسان وجنبته أخطاراً جمة كان سيتعرض لها لو لم تسبق تلك القرارات الدراسات اللازمة لها.

لذلك، فإن أي فشل ذريع تبوء به أية خطة مرتجلة هي بالضرورة نتيجة مباشرة للنقص الحاد في المعلومات المرتجلة، التي لم تضمّن في دراسات مستفيضة وممحصة، وإلا كيف يمكن لنا فهم ذاك الخلل الحاد في البنية التحتية، التي تعاني منها مدننا الكبيرة قبل الصغيرة، على رغم الموازنات الضخمة التي صرف من أجلها، وكيف نفهم تفشي الأمراض الغريبة في مجتمعنا وظهورها بين الفينة والأخرى وتفشيها في شكل سريع لتحصد معها أرواح المئات من الناس، وكيف نعي جيداً بطء عجلة نهضة التعليم، على رغم المناهج المستحدثة القوية، ثم كيف ندرك عجز سفرائنا أحياناً عن تقديم رؤية شاملة ودقيقة عن الأحداث العالمية التي تواجههم، ما يجعلهم دائماً في مأزق التصريح المؤجل، حتى تأتيهم البيانات الرسمية من المركز أحادي المصدر، وهذا كله يعزى إلى عدم وجود فريق متكامل ومترابط ينظر إلى القضايا بشمولية، ويعمل من خلال قواعد معلومات صحيحة يتزود بها من المكتبات ومراكز المعلومات التي تعج بالموظفين ذوي الكفاءات العالية، والفوائد المحدودة.

لعل اهتمامنا بجزئيات تفصيلية بعيدة عن الواقع فوت علينا فرصة الوصول إلى الحلول الناجعة، بمعنى أن نظرتنا الكلية إلى الأشياء تكاد تكون معدومة تماماً، ولا أحد يسعى إلى تحقيق التكامل المنشود، فالوزارات لم توفر أرضية صالحة لتبادل المعلومات بحرية خارج إطار البيروقراطية المنغلقة على ذاتها، فالمعلومات شحيحة، والمتوافر منها مكدس في الأدراج غير مهيأ للاطلاع، أو حتى السماح به. قد لا تقف المكتبات ومراكز المعلومات وحدها في مواجهة مسؤولياتها كاملة من هذا النوع تجاه كل الملفات الحساسة والتي طال ما اعتراها النقص، بل إن الجامعات أيضاً مسؤولة عن تقديم ما لديها من ذخيرة معرفية وعلمية كاملة مدعومة بأساتذة مختصين هم خير من يستعان بهم لأجل درس المحتوى العلمي المتناثر بين رفوف المكتبات وقواعد المعلومات، حتى لحق بها العطب بسبب إهمال وعدم تحديثها وترقيتها، وتهيئتها للدارسين والباحثين في شكل لائق.

لقد دأب مثلاً رؤساء الولايات المتحدة على استخلاص فريق العمل معهم في بعض الوزارات من داخل أروقة الجامعات، لارتباطهم الوثيق بالأبحاث والدراسات، ومعرفتهم الفارقة في كيفية قراءتها، واستخلاص النتائج الصالحة منها. يذكر هنري كيسنجر في مذكراته كيف استخلصه الرئيس نيكسون من جامعة هارفارد لمنصب مستشار شؤون الأمن، وكيف تمكن مع فريقه القادر على جمع البيانات وتحليلها من إحراز نجاح باهر، من خلال مفاوضات تتكئ على رصيد ضخم من المعلومات المدروسة التي كانت توفرها لهم وماتزال مراكز معلومات متخصصة.

ما يجري في عالم السياسة يحدث في عالم الاقتصاد والاجتماع والإعلام، وحتى الترفيه، عشوائية التخطيط وحدها تقود أية دولة إلى الانهيار السريع، مهما وضعت من آمال وطموحات وسخرت لها الأموال المجتباة من مصادر متنوعة، ما لم تنهض على أساسات متينة من الدراسات والمعلومات، وما لم تقم الدولة بدعم مراكز المعلومات والمكتبات كي تنهض بواجبها الوطني كما ينبغي في توفير حزم البيانات والمعلومات اللازمة، وما لم يستعن بأساتذة الجامعات لتقديم دراسات حقيقية وواقعية يؤخذ بنتائجها عند إقرار أية خطة تنموية، أو معالجة أي خلل يصيب أحد مفاصل الدولة. ما لم نفعل ذلك فمكانك رواح؛ لن تتقدم.

* نقلا عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.